معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 6، ص: 206
والتّحسّر عليهم قد جاء في صدر الدّرس الثالث من دروس السورة بقول اللّه تعالى:
يا حَسْرَةً عَلَى الْعِبادِ ما يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (30) .
وجاء عطف صدر هذا الدّرس الثامن على ما جاء في الآية (31) من آيات الدرس الثالث.
عبارة: أَوَلَمْ يَرَوْا دلّت على الرّؤية البصريّة، وعلى الرّؤية الفكريّة الواضحة المشابهة في وضوحها في الفكر، للرّؤية البصريّة.
أي: أولم ينظروا بأعينهم، ويتفكّروا بعقولهم الّتي وهبهم ربّهم إياها ليستعملوها فيما خلقت له.
* أَنَّا خَلَقْنا لَهُمْ: أي: أنّا أبدعنا وصوّرنا وأوجدنا على غير مثال سبق لأجلهم، وجاء التعبير بضمير المتكلّم العظيم، لأنّ الموضوع يتعلّق بالخلق الإبداعيّ من العدم، الذي لا يستطيعه إلّا ذو الصفات العظيمة الجليلة، وهو اللّه الرّبّ الّذي لا شريك له.
* مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينا أَنْعامًا: أي: من بعض ما عملت أيدينا أنعاما، وذكر أَيْدِينا فيه الإشعار بعناية اللّه عزّ وجلّ ببني آدم وتكريمه لهم.
الأنعام: هي الأموال الراعية، وهي الإبل والبقر والغنم. ولفظ"الأنعام"يذكّر ويؤنّث، وجاء ذكرها منكرا: أَنْعامًا للدلالة على الكثرة، وعظم المنافع.
ومع أنّ كلّ مخلوق في الوجود كلّه هو من صنع اللّه جلّ جلاله وعظم سلطانه، لم يشاركه ولا يشاركه في خلقه أحد، سواء في ذلك الإبداع الأول وغيره، فالتنبيه على أنّه جلّ جلاله قد خلق الأنعام للنّاس