معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 6، ص: 230
لِتُنْذِرَ قَوْمًا ما أُنْذِرَ آباؤُهُمْ فَهُمْ غافِلُونَ (6) .
في هذه الآية إيجاز بالحذف تدلّ عليه اللّوازم الفكرية، وبيان ذلك فيما يلي:
الإنذار: هو الإخبار بالعاقبة المكروهة للمنذرين، وهو الوظيفة الّتي تأتي بعد التبليغ، والدّعوة بالحكمة، والموعظة الحسنة، والجدال بالّتي هي أحسن، وترغيب المستجيبين المطيعين بالعاقبة الحسنى في جنّات النّعيم، أمّا من أبى وعاند ولم يستجب لدعوة الحقّ، فيأتي إنذاره بالعاقبة السّوأى في جهنّم دار عذاب الكفرة المكذّبين.
فذكر الإنذار يدلّ عن طريق اللوازم الفكريّة على أنّه مسبوق بهذه المراحل، وبما أنّ هذه المراحل السابقة للإنذار لم تكن ذات جدوى مع المعنيّين من الكفّار المعاندين، كان الإنذار هو المناسب لهم بعد أن وصلوا إلى حالة ميؤوس منها.
فالمعنى: لتنذر هؤلاء، بعد أن اتّخذت معهم الوسائل السابقة له، فلم تؤثّر فيهم، ولم يبق لديك ألا أن تنذرهم.
المثال الثاني: قول اللّه عزّ وجل: وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ أَفَلا يَعْقِلُونَ (68) .
الفاء في: أَفَلا يَعْقِلُونَ هي الفصيحة الّتي تعطف على محذوف، والتقدير: أيستمرون في فتنتهم بمظاهر الحياة الدّنيا، غارقين في غفلاتهم، كأنّهم خالدون فيها، فلا يعقلون عقلا علميّا، ولا يعقلون عقلا إراديّا بضبط نفوسهم عمّا سوف يجعلهم من أهل الجحيم يوم الدّين.
ونظيره في الآية (73) : أَفَلا يَشْكُرُونَ: أي: ألا يتفكّرون في هذه النّعم العظيمة الّتي الّتي أنعم اللّه بها عليهم، فهم بسبب عدم تفكّرهم لا يشكرون ربّهم عليها بالإيمان والإسلام والطاعة على مقدار الاستطاعة.