فهرس الكتاب
معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 6، ص: 340
المعنى الأول: التقدير، وهذا المعنى قد يكون من غير اللّه عزّ وجلّ، بالتمكين القدري الذي يمنحه اللّه عباده، ومنه قول اللّه عزّ وجلّ خطابا لعيسى عليه السّلام كما جاء في سورة (المائدة/ 5 مصحف/ 112 نزول) :
وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيها فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي ... (110) .
أي: وإذ تقدّر فتصوّر وتصنع وفق التقدير.
المعنى الثاني: الإبداع والإيجاد من العدم، على غير مثال سبق، ويدخل التقدير لزوما في معنى الإبداع، إذ لا يكون إبداع من دون تقدير للعناصر، والأشكال، والصور، وكلّ ما يخضع للمقادير، كذلك يفعل كلّ حكيم.
ولمّا كان التقدير والتصوير والصّنع للأشياء من موادّ مكّن اللّه عزّ وجلّ عباده من أعمال ما فيها بتمكينه القدري في نظام الكون، تسمّى خلقا في لسان العرب، قال اللّه عزّ وجلّ في سورة (المؤمنون/ 23 مصحف/ 74 نزول) :
فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ (17) .
فنسب إلى غيره خلقا على هذا المعنى الذي مكّن عباده منه.
أمّا الخلق بمعنى إبداع الأشياء وإيجادها من العدم المحض، فهو من صفات الربّ عزّ وجلّ، التي لا يشاركه فيها أحد، ولم يعط اللّه أحدا من خلقه هذا التمكين.
فالكائنات كلّها خلقه إبداعا وإيجادا من العدم، فهي جميعها ملكه، لا يشاركه فيها أحد، وهذه هي وحدة اللّه عزّ وجلّ في ربوبيته.
ووحدة الرّبوبيّة تستلزم عقلا وحدة الإلهيّة، فالذي هو سبحانه الرّبّ