فهرس الكتاب
معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 6، ص: 344
هذه القضايا الأربع قد اشتملت بدلالاتها النّصّيّة واللّزوميّة الذّهنيّة على توحيد الربوبيّة لمنزّل الفرقان على عبده، الذي لا تدركه الحواسّ، ولكن تقرّ به العقول، وتؤمن به القلوب والنفوس السّليمة، ودلّت باللّزوم العقليّ على ضرورة توحيد الإلهيّة له، وعدم اتّخاذ شريك له في العبادة.
وبهذا لزمت أهل الفكر الحجّة الرّبّانيّة الدّامغة.
*** قول اللّه تعالى:
وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ ... (3) .
وَاتَّخَذُوا: اتّخذ على وزن"افتعل"من الأخذ، ومن معاني هذه الصيغة التكلّف والتّصنّع على خلاف طبيعة الأمر، أي: جعلوا بصنع منهم آلهة لأنفسهم، وهي ليست بطبيعتها آلهة.
والضمير في"و اتّخذوا"لا يحتاج أن يعود على مذكور في اللفظ، لأنّ من طبيعة الذهن المفكر- بعد أن تتضح له دلالات القضايا الأربع في الآية السابقة- أن يستحضر تلقائيّا صورا من واقع أحوال الناس، فيجد فيهم مؤمنين موحّدين، ويجد فيهم مشركين يعبدون من دون اللّه آلهة، فيأتي الضمير في"و اتّخذوا"منطبقا على فريق المشركين دون أيّة قرينة لفظيّة.
مِنْ دُونِهِ: أي: من أشياء غيره هي بطبيعتها تقع دونه، في مقابل اتّصافه بالفوقية المطلقة، والضمير في"من دونه"يعود على الذي نزّل الفرقان على عبده، والذي له ملك السماوات والأرض ...
وكلمة"دون"في اللّغة تأتي في الأصل مقابل كلمة"فوق"فهي مثل"تحت". وكلّ من"فوق ودون"يستعملان في الحسّيّات وفي المعنويات.