فهرس الكتاب
معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 6، ص: 347
والذين يقدّسون المادّة والقوانين الطبيعيّة، ويجعلون لها ما للّه عزّ وجلّ من خلق وتقدير، ويكفرون بالربّ الخالق العليم الحكيم القدير الحيّ المريد الذي يفعل ما يشاء ويختار، هم مادّيون أو دهريون ملحدون يجحدون اللّه عزّ وجلّ، وهؤلاء لا يجعلون للّه شريكا أو شركاء، وإنّما يكفرون باللّه كفرا كليّا، ويجعلون ما للّه من ربوبيّة، لأنظمته وسننه التي وضعها هو في كونه، أو للعناصر المادّيّة التي خلقها هو سبحانه، وهو مالكها والمسيّر لها والمتصرف فيها بحكمته في مقاديره، وهو الممسك لها في الوجود لئلّا تزول، ولو رفع عنها الإمساك في الوجود لزالت، ولعادت كما كانت عدما.
ولمّا كانت الآية تتحدّث عن واقع حال المشركين الوثنيّين الذين كانوا هم الأكثريّة الغالبة في غير المؤمنين، جاء فيها وصف آلهة المشركين بأنّهم لا يخلقون شيئا، وهم يخلقون، ولا يملكون لأنفسهم ضرّا ولا نفعا، ولا يملكون موتا ولا حياة ولا نشورا.
لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا: أي: لا يوجدون شيئا ما صغيرا أم كبيرا من العدم، لأنّ اللّه لم يعط أحدا من خلقه شيئا من ذلك، ولا يستطيعون صنع شيء ممّا مكّن اللّه منه بعض خلقه بقانونه القدري، إلّا بتمكين اللّه وإرادته وإذنه، فلو فعلوا شيئا لم يكونوا خالقين له حقيقة، بل اللّه يخلقه وهم متّخذو أسباب، وأعمالهم أعمال تحويليّة بتمكين اللّه إيّاهم، وخلقه لقدراتهم.
ولمّا كان المتحدّث عنهم يعبدون أوثانا هي رموز لما يعبدون من ورائها، فإنّ أوثانهم لا تفعل شيئا مطلقا، لا على سبيل الخلق الحقيقيّ، ولا على سبيل السّببيّة، إنّما هي في الحقيقة عبادة لأوهام يصطنعونها في مخيّلاتهم، ويفترونها على الحقيقة افتراء.