معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 1، ص: 44
ولمّا كانت التربية الحقيقيّة لكلّ شيء في الوجود سوى اللّه عزّ وجلّ صفة من صفات اللّه عزّ وجلّ، كان سبحانه هو ربّ العالمين، وربّ كلّ شيء.
ولهذا جاء وصفه في القرآن المجيد بأنّه:"رَبِّ الْعالَمِينَ - ورَبُّ كُلِّ شَيْءٍ- ورَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ-* ورَبُّ السَّماواتِ السَّبْعِ، وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ - ورَبُّ الشِّعْرى (- نجم كان يعبد في الجاهلية) - رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ-* رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ- بِرَبِّ الْمَشارِقِ وَالْمَغارِبِ- بِرَبِّ الْفَلَقِ - بِرَبِّ النَّاسِ، وربّ البيت (- الكعبة المشرفة) ".
فالرّبوبيّة هي الوصف الجامع لكلّ صفات اللّه ذات العلاقة والأثر في مخلوقاته، واسم"الرّبّ"هو الاسم الدّالّ على كلّ هذه الصفات.
وهنا نلاحظ أنّ اللّه جلّ جلاله قد اختار بعلمه وحكمته لعمليّات خلقه وإبداعه لمخلوقاته، وهيمنته على كلّ ما خلق بدءا ودواما أن يكون على نظام التربية التي سبق شرح معانيها، لا على نظام الخلق دفعة واحدة، ثمّ ترك المخلوق يسير وفق البرنامج الموضوع له، دون إمداد ورعاية وحفظ وتعهّد من خالقه، بل خلق الخلق وفق نظام لا يستغني فيه المخلوق عن خالقه طرفة عين، ولا أقلّ من ذلك، في صغير وكبير من ذاته ومن صفاته، فلو رفع إمداده عن كونه، وإمساكه له في الوجود خلال أقصر زمن، لعادت الموجودات إلى أصلها وهو العدم.
هذا هو نظام التربية، فللّه عزّ وجلّ الرّبوبيّة المستمرّة الّتي لا تنقطع، والمؤثّرة بكلّ شيء في الكون من غيبيّ ومشهود، مادّيّ أو معنويّ، دلّ على هذه الحقيقة قول اللّه عزّ وجلّ في سورة (فاطر/ 53 مصحف/ 43 نزول) :
إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولا وَلَئِنْ زالَتا إِنْ أَمْسَكَهُما مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كانَ حَلِيمًا غَفُورًا (41) .