معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 6، ص: 362
إعجازه، وهي غير موجودة في الكتب السماويّة السابقة، وهذه لا يعلمها من الناس أحد إبّان التنزيل، ووجودها في القرآن دليل على أنّ منزّله هو الذي يعلم السّرّ في السماوات والأرض، فالجواب الملائم للتنبيه على هذه القضايا هو ما جاء في التعليم الرّبّاني:
قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ.
رابعا: إنّ الّذين قالوا: (أساطير الأوّلين اكتتبها فهي تملى عليه بكرة وأصيلا) يعلمون من حقيقة أنفسهم أنّهم كاذبون، وأنّهم لا بيّنة لهم على ما يدّعون، وأنّهم يقولون قولهم هذا لتضليل أتباعهم، وصرفهم عن التأثر بالقرآن واتّباع الرسول.
فالجواب التهديديّ الملائم لحالتهم هذه ما جاء في التعليم الرّباني:
قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ.
أي: فاحذروا عقابه وعذابه ونقمته على شهادات الزور التي تفترونها على رسوله، وعلى أنواع الظلم التي ترتكبونها.
وبعد هذا التهديد أطمعهم اللّه بمغفرته ورحمته إذا استغفروه وتابوا إليه، وآمنوا واتّبعوا الرسول، فقال اللّه عزّ وجلّ:
إِنَّهُ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا (6) :
أي: إنّه غفور رحيم دواما، ففعل الكينونة ولو جاء فعلا ماضيا له دلالة الديمومة والاستمرار في بيان صفات اللّه عزّ وجلّ، لأنّ ما كان للّه من الصّفات فهو أزليّ، وما هو أزليّ هو أبديّ باللّزوم العقلي.
غفور: صيغة مبالغة لاسم الفاعل"غافر"، أي: كثير الغفران وعظيمه، وأصل الغفر في اللّغة السّتر. فهو سبحانه يستر ذنوب عباده.
ويأتي فوق الغفران"التكفير"الذي يدلّ على معنى الستر بالدفن،