معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 6، ص: 363
ويأتي فوقه (العفو) الذي يدلّ على معنى محو الأثر، ويأتي فوقه (رفع الجناح) الذي يدلّ على اعتبار الذنب كأن لم يكن، ويأتي فوقه (تبديل السيّئات حسنات) وهذا أعلى المراتب التي يتفضّل اللّه بها على عباده.
ويظهر أنّ الذين كفروا لم يكونوا إبّان نزول سورة (الفرقان) يشيرون إلى أحد من الناس، يزعمون أنّه يملي على محمد صلّى اللّه عليه وسلّم أساطير الأوّلين من كتب أهل الكتاب، لذلك لم يتعرّض النصّ هنا إلى الحديث عنهم، لكشف سقوط ادّعاء الذين كفروا، إذ ينسبون إليهم أنّهم يملون على الرسول ما لديهم من مكتوبات الأوّلين.
لكنّهم بعد مدّة من الزمن وجدوا لأنفسهم ذريعة، حين رأوا الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم ربّما مرّ لبعض مصالحه على بعض أهل الكتاب في مكّة، فكرّروا مقالتهم، وذكروا اسم أعجميّ جلس عنده الرسول أحيانا يدعوه إلى دين اللّه، فأنزل اللّه عزّ وجلّ قوله في سورة (النحل/ 16 مصحف/ 70 نزول) :
وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ (103) .
وقد نزل بعد سورة (الفرقان) وقبل سورة (النحل) سبع وعشرون سورة مكيّة.
يلحدون إليه: أي: يميلون إلى ادّعاء أنّه هو الذي يعلّمه، بعد أن ألقوا قولهم السابق جزافا، دون أن يستطيعوا الإشارة إلى واحد بعينه.
وفي اختيار عبارة"يلحدون"في هذه المناسبة براعة إلماحيّة، تفيد أن ميلهم هذا إلحاد، أي: دفن للحقّ وانحراف عن سواء السبيل.