معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 6، ص: 364
فاللّحد هو الشقّ الذي يكون في جانب القبر، لوضع الميت فيه، وسمّي لحدا لأنّه قد أميل عن وسطه إلى جانبه. يقال: ألحد في الدّين ولحد، أي: حاد عنه. قال ابن السّكّيت: الملحد العادل عن الحقّ المدخل فيه ما ليس فيه.
ومادّة الكلمة تدور حول الميل عن الحق، والجور، والظلم والمجادلة بالباطل. ولشناعة الجور في مكة سمّي الجائر فيها ملحدا.
والرّدّ هنا في هذه الآية من سورة (النحل) واضح جليّ، وهو أنّ القرآن منزّل بلسان عربيّ مبين، وبيان عربيّ معجز، والرسول لا يعلم اللّسان الأعجميّ، والأعجميّ المشار إليه لا يحسن العربية، وحين يتكلّم شيئا منها يتكلّمه بصعوبة بالغة ولكنة ولحن، وبأساليب بعيدة عن أساليب العرب أصلا، فادّعاء أنّ الأعجميّ المشار إليه هو الذي يعلّمه القرآن ادّعاء ساقط جدّا، لا يقبله ذو عقل منصف.
وفي بيان هذا الرجل الذي زعم الكافرون أنّ الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم كان يتعلّم منه القرآن، وردت بعض روايات.
(1) روي عن مجاهد، عن ابن عباس قال: كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يعلّم قينا (أي: حدّادا) بمكة، وكان اسمه"بلعام"وكان أعجميّ اللّسان، وكان المشركون يرون رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يدخل عليه ويخرج من عنده، فقالوا: إنّما يعلّمه بلعام، فأنزل اللّه عزّ وجلّ الآية من سورة (النحل) .
(2) وقال محمد بن إسحاق في السيرة: كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم- فيما بلغني- كثيرا ما يجلس عند المروة إلى غلام نصراني يقال له: جبر، عبد لبعض بني الحضرمي.
وكذا قال عبد اللّه بن كثير، وعن عكرمة وقتادة: كان اسمه"يعيش".
وروي غير ذلك واللّه أعلم.