فهرس الكتاب

الصفحة 3906 من 8918

معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 6، ص: 368

التدبر التحليلي:

لقد اتّخذوا كونه بشرا من البشر ذريعة لإنكار نبوّته ورسالته، وتكذيبه فيهما، والكفر به وبما جاء به عن ربّه، دلّ على هذا قول اللّه عزّ وجلّ:

وَقالُوا ما لِهذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْواقِ:

أي: وقالوا مستفهمين استفهاما تعجّبيّا من ادّعاء كونه رسولا، والحال الثابت له أنّه يأكل الطعام ويمشي في الأسواق، والمعنى أنّ الرّسول المبعوث من عند اللّه لا ينبغي له أن يكون بشرا يأكل الطّعام ويمشي في الأسواق كسائر البشر، فهذان أمران متنافيان، فما هو الشّيء الّذي اختصّ به فجعله يخرج عمّا ينبغي للرّسول كما نفهم، فيكون رسولا مع أنّ حاله الظاهرة أنّه يأكل الطعام كسائر البشر، ويمشي في الأسواق كآحاد النّاس.

فلفظ [ما] اسم استفهام، وهو مبتدأ. وعبارة [لهذا] متعلّقة بمحذوف هو خبر المبتدأ. وكلمة [الرّسول] بدل أو عطف بيان من اسم الإشارة [هذا] ومرادهم: ما لهذا الذي يدّعي أنه رسول. واللّام في [لهذا] بمعنى الملك أو الاختصاص.

ومعنى الجملة: أيّ شيء امتلكه محمّد أو اختصّ به حتى استطاع بسببه أن يكون نبيّا رسولا مع أن حاله أنّه يأكل الطعام، ويمشي في الأسواق، هذا أمر يدعو إلى العجب منه، والإنكار عليه، فهو إذن ليس نبيّا ولا رسولا.

هذا هو منطقهم الذي قدّموه في هذه الجدليّة الباطلة، الّتي تولّى القرآن الرّدّ عليها فيما بعد في الآية (20) من السورة.

بعد هذا الاعتراض على بشرية الرّسول محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم الذي رأوا أنّه من القوّة بحيث يبطل في أذهان من يتأثّر به صحّة ادّعاء كونه نبيّا رسولا، قدّموا مقترحات زعموا أنّه لو أوتيها أو بعضا منها لكان قد ملك بذلك

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت