فهرس الكتاب
معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 6، ص: 390
كَذَّبُوا بِالْكِتابِ وَبِما أَرْسَلْنا بِهِ رُسُلَنا- بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جاءَهُمْ - وَكَذَّبُوا بِآياتِنا-* كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ.
والذي يظهر أنّ أصل الكلام في هذا: كذّبوا المخبر بما أخبر به، فكذّبوا الرّسول بما جاء به عن ربّه، وقد دلّ على هذا التقدير قول اللّه عزّ وجلّ: فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِما تَقُولُونَ.
ولدى الاستعمالات الكثيرة نلاحظ أنه قد يحذف من الكلام الباء وما دخلت عليه، وقد يحذف منه المخبر بالخبر، وفي كلتا الحالتين يحسن بمتدبّر كلام اللّه أن يتصوّر لدى تدبّره المحذوف منهما. وقد يحذفان معا، ويقتصر في النّص على ذكر التكذيب فقط، ومنه: كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعادٌ وَفِرْعَوْنُ ذُو الْأَوْتادِ- كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ*- وَلَقَدْ أَرَيْناهُ آياتِنا كُلَّها فَكَذَّبَ وَأَبى.
بعد هذا أقول: إنّ تكذيب الذين كفروا بنبأ الساعة الذي جاء به رسل اللّه، هو الذي دفعهم إلى اصطناع جدليّاتهم وتعلّلاتهم حول الرسول وحول القرآن.
والساعة التي كذّبوا بها هي بالدرجة الأولى ساعة البعث إلى الحياة بعد الموت للحساب والجزاء، ويجرّ هذا التكذيب إلى التكذيب بساعة إنهاء ظروف هذه الحياة الدنيا، بإماتة الخلائق جميعا وإفنائهم وتغيير هذا النّظام القائم.
والكافرون الّذين يؤمنون بالرّب الخالق يرون أنّ أعمال خلقه قاصرة على ظروف هذه الحياة الدنيا، فهم لا يرون لأنفسهم بقاء إلّا ما يحيونه في هذه الحياة، فلا شيء بعد ذلك، ومن أجل هذا تكون أعمالهم وتصرّفاتهم دائرة في حدود ما يصيبون من خير أو شرّ في هذه الحياة، ولا يتصوّرون لأنفسهم حياة غيرها.