فهرس الكتاب
معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 6، ص: 391
فكلّ دليل أو آية برهان عقليّ يتضمّن إخراجهم من هذه الدائرة التي يتصوّرونها يحاولون التشكيك فيه، وإيجاد الذّرائع التّعلّليّة لرفضه والتكذيب به.
هذه هي علّتهم الداخليّة، وقد كشفها اللّه عزّ وجلّ بقوله: بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ.
أمّا الباعث على تكذيبهم بالسّاعة فيرجع إلى نوازع الهوى واتّباع الشهوات ورغبات الفجور الوقح في الأرض، دون خوف من مصير، ولا شعور بوخز ضمير.
لكنّ الجزاء وعدل اللّه وحكمته في خلقه قد سبق بيان ما يدلّ عليها فيما نزل من قرآن قبل نزول سورة (الفرقان) .
وبما أنّ الذين كفروا لم يطرحوا بعد جدليّاتهم حول البعث للحياة بعد الموت، اقتصر النصّ هنا على بيان تكذيبهم، وتهديدهم بالوعيد بعذاب السعير، فقال اللّه عزّ وجلّ:
وَأَعْتَدْنا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيرًا (11) .
وَأَعْتَدْنا:"أعتد"بمعنى"أعدّ"وهيّأ. ويقال: شيء عتيد: أي:
معدّ حاضر. و"العتاد"الشيء يعدّ لأمر ما ويهيّأ له. ويقال: أخذ للأمر عدّته وعتاده: أي: أهبته وآلته وما يحتاج فيه إليه.
سَعِيرًا: السّعير في اللغة يأتي بمعنى النار، وقيل: السعير لهب النار. ويقال: نار سعير، أي: نار مسعورة، بمعنى موقدة. ويقال: سعر النّار يسعرها، وأسعرها وسعّرها، إذا أوقدها، وهيّجها.
فالمعنى: وأعددنا وهيّأنا نارا ملتهبة مسعورة موقدة، لتعذيب من كذّب بالأخبار الرّبّانية الواردة عن السّاعة، التي تكون بها قيامة الأموات من أجداثهم أحياء، قد بعثهم اللّه عزّ وجلّ للحساب والجزاء.