فهرس الكتاب
معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 6، ص: 393
نفوسهم، فإنّ استعارة مادّة التغيّظ لما يكون في النار من غليان وتفجّرات تجعلهم يتصوّرون ذلك بصورة أفضل من المشاهد البصريّة، وأكثر رهبة، مع ما تحمل هذه الصّورة النفسيّة من دلالة على معنى الحرص على الانتقام والنّكاية والتنكيل بالذين سيعذّبون فيها، فهي كالمغتاظة منهم، تستعدّ للتنكيل بهم.
وَزَفِيرًا: الزّفير مدّ النّفس بقوّة حتّى الغاية، وإخراجه من الصّدر، أمّا الشّهيق فهو أخذ النّفس بقوّة إلى داخل الصّدر حتّى امتلاء الرئتين به.
قال ابن سيده: زفر يزفر زفرا وزفيرا، أخرج نفسه بعد مدّه إيّاه.
ويقال لغة: زفرت النّار، إذا سمع لاتّقادها صوت.
ويطلق الشهيق والزّفير على ما يكون في النار من دخول الرياح إلى باطنها، وخروجها حارّة من باطنها على سبيل التوسّع في الاستعمال القائم على تشبيه ما يحدث في الأشياء غير ذات الحياة، بما يحدث في الأحياء التي تتنفّس الرياح.
ولزفير النّار صوت غير صوت التغيّظ الذي تحدثه التفجّرات الناريّة، وكذلك للشهيق صوت آخر.
ونلاحظ أنّ التعبير في قول اللّه تعالى: إِذا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ قد جاء بإسناد الرّؤية إلى السّعير، وهي النار الملتهبة الموقدة، ولم يأت بإسناد الرّؤية إلى المكذبين بالسّاعة الذين يسمعون تغيّظها وزفيرها، مع أنّ الرّؤية إنّما تسند لذي عينين تريان وتحسّان، والنّار كائن غير ذي حياة وإحساس بحسب الظاهر المألوف، لكن إذا شاء اللّه أن يجعل لها ذلك جعله لها بقدرته.
فإذا اعتبرنا هذا الإسناد مراعى فيه واقع حال المألوف من الأشياء الّتي ليس لها أدوات تحسّ بها، فالإسناد هنا هو من قبيل المجاز العقلي