فهرس الكتاب
معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 6، ص: 395
كَذلِكَ أَتَتْكَ آياتُنا فَنَسِيتَها وَكَذلِكَ الْيَوْمَ تُنْسى ... (126) .
أي: فعلنا بك مثل ذلك الذي كان منك في الحياة الدّنيا، أتتك آياتنا فتبلّغتها، وأخذتها، وذكرتها مقدارا ما من الزمن، ثمّ أعرضت عنها إعراضا تامّا، فصرت كمن عمي عنها، حتّى نسيتها.
فبمثل ذلك الذي كان منك في الدّنيا نعاقبك اليوم، وذلك بأن تحشر أعمى كما عميت عن آياتنا بعد أن رأيتها، ونهملك اليوم ونتركك مثل أهل العمى من الكافرين، كما أهملت آياتنا وهجرتها، حتى نسيتها.
(3) وجاء في سائر النصوص ما يثبت سلامة حواسّهم عند البعث، وعقب البعث، وعند السؤال والحساب، وعند إيقافهم على النار، وبعد دخولهم فيها، فهم يتعارفون بينهم، ويقرأ ون كتبهم، ويتكلمون.
والجمع بين هذه النصوص يكون بأن نفهم أنّ سلب الكافرين حواسّهم الثلاث (البصر، والسمع، والنطق) وسلب المعرضين عن ذكر اللّه أبصارهم فقط يكون في بعض أحوالهم يوم الدّين.
ويظهر أنّ ذلك يكون في مدّة وسطى، وهم في الحشر، بعد زمن ما من وقت بعثهم، اللّه أعلم به، إذ يبعثون بحواسّهم سليمة، ثم تطمس أبصار وأسماع وألسنة الكافرين، وتطمس أبصار الذين أعرضوا عن ذكر اللّه في الدنيا إعراضا تامّا، بعد أن كانوا مؤمنين من أهل الذكر، مسوقين إلى الحشر.
وعند الحساب وفصل القضاء تردّ إليهم حواسّهم، فقد ثبت في سورة (ق/ 50 مصحف/ 34 نزول) أنّ بصر المسوق إلى موقف الحساب يكون بصرا حديدا، أي: قويّا.
ويحتمل أنّ الكافرين بعد الحساب وإصدار أحكام مجازاتهم، تطمس أبصارهم مرّة أخرى، وتبقى لهم أسماعهم، حتّى يساقوا ويوقفوا على