فهرس الكتاب

الصفحة 3935 من 8918

معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 6، ص: 397

أقول: تعيين أنّ حشر الكافرين عميا وبكما وصمّا هو في حالة السّوق إلى دار الجزاء، لا دليل عليه من النصّ، بل قول اللّه عزّ وجلّ في سورة (الفرقان) التي نتدبّرها:

إِذا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَها تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا (12) .

يدلّ على أنّهم لا يكونون صمّا حين سوقهم إلى دار الجزاء، بل يسمعون تغيّظها وزفيرها، إذ اقترابهم منها يكون عند سوقهم إليها.

والظاهر أنّ انطماس حواسّهم الثلاث يكون كما ذكرت آنفا، في موقف الحشر، الذي يكون فيه الانتظار الطويل للحساب وفصل القضاء، وهو الذي يتلاءم معه قول المعرض عن ذكر اللّه في الدنيا، كما جاء في سورة (طه/ 20 مصحف/ 45 نزول) :

رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا ... (125) .

أمّا في حالة سوق الكافرين إلى النار، فيكونون عميا، ولا يكونون صمّا. ودلّ على أنّ سماعهم لتغيّظها وزفيرها يكون عند سوقهم إليها، ما جاء عقب هذا البيان، وهو قول اللّه عزّ وجلّ:

وَإِذا أُلْقُوا مِنْها مَكانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنالِكَ ثُبُورًا (13) :

فالترتيب في البيان يشعر بالترتيب في الواقع، واللّه أعلم.

فمعنى الآية بعد هذا البيان التحليليّ:

إذا كان المكذّبون بالساعة يوم الدين في مكان يمكن أن يروا فيه النار، لو كانوا ذوي أبصار، لم يسلبوا القدرة على الرؤية بها، سمعوا أصوات غليان وفوران المنصهرات فيها، وسمعوا ما فيها من تفجّرات، وسمعوا أصوات الأنفاس والرّياح السّموم التي تدفع بها عند الزّفير.

ولو أنهم كانوا يرون لرأوا حتما لهب النار، لأنّ مدى قدرة الأبصار

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت