فهرس الكتاب
معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 6، ص: 401
ويحمل التعبير أيضا الدّلالة على المعنى التالي: لا يكفيكم للخلاص من عذابكم هلاك واحد من نوع واحد، بل أنواع من الهلاك كثيرة، لأنّكم تحتاجون مع كلّ نوع إلى أن تدعوا نوعا من الهلاك ليريحكم منه، وهي فكرة بديعة تدلّ على أنّ الآلام تأتيهم متنوّعة بكثرة، فهم مع كلّ نوع منها يحتاجون أن يدعوا ثبورا، على سبيل الطلب، أو على سبيل النّدبة.
فمعنى الآية: وإذا ألقوا عند تنفيذ أمر تعذيبهم في مكان ضيّق من النّار، حالة كونهم مقيّدين أسرى، مسوقين إلى العذاب، صاحوا منادين هنالك في ذلك المكان البعيد عن مهابط تنزّل رحمات اللّه، يا هلاكا أقبل وأرحنا ممّا نحن فيه، ويا ربّنا أهلكنا لتريحنا ممّا نحن فيه، ويا ثبوراه ويا هلاكاه ما أفضلك بالنّسبة إلى ما نحن فيه.
فيقال لهم رفضا لدعائهم وتيئيسا: لا تدعوا (نداء أو طلبا أو ندبة) هلاكا واحدا، وادعوا هلاكا كثيرا، فطلبكم مرفوض، ودعاؤكم مردود عليكم، فكرّروه كثيرا مع الأزمان، ومع أنواع العذاب، واندبوا هلاككم دواما، أي: فإذا كان النداء يريحكم فكرّروه ما شئتم، ولا حظّ لكم في الهلاك الذي تدعونه، لأنّ اللّه عزّ وجلّ قضى بأنّه لا موت بعد البعث إلى يوم الدّين.
روى الإمام أحمد وابن ماجه والحاكم بإسناد صحيح عن أبي هريرة، أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال:
"يؤتى بالموت يوم القيامة، فيوقف على الصّراط، فيقال: يا أهل الجنّة، فيطّلعون خائفين وجلين أن يخرجوا من مكانهم الّذي هم فيه. ثمّ يقال: يا أهل النّار، فيطّلعون مستبشرين فرحين، أن يخرجوا من مكانهم الّذي هم فيه، فيقال: هل تعرفون هذا؟ فيقولون: نعم، هذا الموت، فيؤمر به فيذبح على الصّراط، ثمّ يقال للفريقين: كلاهما خلود فيما تجدون، لا موت فيها أبدا".