فهرس الكتاب
معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 6، ص: 415
خير فيهم، ولا بدّ أن يؤدّي بهم فسادهم إلى أن يكونوا هالكين، تحلّ عليهم نقمة اللّه وعذابه في الدنيا، وأن يكونوا من الخالدين في العذاب يوم الدين.
ومن مجموع عبارة التّعليل الّتي يذكرها المعبودون من الملائكة والأنبياء والصالحين، لتبرئة أنفسهم في موقف الحساب، ومن لوازمها الفكريّة نستطيع أن نستخرج المعاني التالية:
لقد كان لدى هؤلاء القوم يا ربّنا ذكر منزّل من لدنك، أبانه لهم رسلهم، وتلقّوه عنهم، وفهموه، وعملوا بمقتضاه، فعبدوك أوّل الأمر وحدك.
ولكنّ أجيالهم المتتابعة وجدوا أنفسهم يتقلّبون في متاع من زينة الحياة الدّنيا، بفضل منك، فشغلهم ما هم فيه من متاع عن العمل بما أنزلت إليهم من ذكر، فصار همّهم أن يستغلوا من دنياهم أوسع متاع، وتحوّل الدّين عندهم من كونه عملا بمرضاة اللّه للظّفر بالسعادة الأخرويّة يوم الدّين، إلى كونه وسيلة للاستزادة من متاع الحياة الدنيا.
ومن طبيعة الإنسان إذا أهمل العمل بالتّعاليم أن يصرفها عن ذاكرته، ويستبعدها، وهذا يجرّ إلى نسيانها، وعندئذ تنبت في النّفس مفاهيم دخيلة من شأنها أن تخدم مطالبها من الحياة الدّنيا، ومن هذه المفاهيم الاستغناء بالوسطاء شفعاء لهم عند اللّه، وابتداع وسائل ما أنزل اللّه بها من سلطان، للتّقرّب إلى هؤلاء الوسطاء، ويبدأ التحريف في الدّين، من عبادة اللّه إلى تعظيم الوسطاء، ثمّ إلى عبادتهم.
وعلّتهم الأولى أنّهم كانوا قبل أن يدخل إليهم الشّرك قوما فاسدين، طلّاب متاع الحياة الدّنيا، لا همّ لهم غير الحصول على لذّاتهم منها، والدّين لديهم وسيلة لتحصيل الدنيا فقط، ومن طبيعة هذا النوع من الدّين أن تدخل إليه البدع والتحريفات والخرافات والشّركيّات، وجعل المعاصي