فهرس الكتاب

الصفحة 3959 من 8918

معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 6، ص: 420

وَزَفِيرًا (12) وَإِذا أُلْقُوا مِنْها مَكانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنالِكَ ثُبُورًا (13) لا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا واحِدًا وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا (14) .

فدار تعذيب المكذّبين بيوم الدين، وهي السعير (النار الموقدة الملتهبة) قد أعتدها اللّه بعناية لإقامة العدل دون ظلم ولا جور.

ومن أحوالهم معها ما يلي:

أولا: إذا اقتربت منهم اقترابا ما، بحيث يمكن أن يراها الرّائي في مكانهم، أو يراهم الرّائي في مكانها، وهو مكان بعيد نسبيّا، سمعوا أصوات غليانها وتفجّراتها الّتي تشبه غيظ النّفوس والقلوب المغتاظة، وأصوات اندفاع الرّياح السّموم من داخلها الّذي يشبه الزفير في تنفّس الأحياء، وذلك دليل على شدّة الأصوات، إذ هي تسمع من أقصى بعد يدركه البصر، والمعروف في أنظمة الحواسّ أنّ الأشياء ترى بالبصر، وقد لا تسمع أصواتها الشّديدة، لأنّ مكان بعدها يسمح بالإدراك البصري، ولا يسمح بالإدراك السّمعي. ويدلّ إسناد الرّؤية إلى النّار على أنّهم يكونون في تلك الحالة عميانا، ولو لا ذلك لقال تعالى: إذا رأوها من مكان بعيد سمعوا لها تغيّظا وزفيرا، أو على أنّ بينهم وبينها حجابا يمنعهم من رؤيتها.

ثانيا: إذا ألقوا منها إلقاء بإهانة وإذلال في مكان ضيّق لتعذيبهم، حالة كونهم مشدودين بالحبال والسّلاسل، مجموعين مع نظرائهم، دعوا هنالك في ذلك المكان البعيد السّحيق المهين: هلاكا ما أن يحلّ بهم للخلاص ممّا هم فيه من عذاب، ويسألون اللّه ذلك الهلاك، ويندبون ذلك الهلاك تحسّرا على فقده وحرمانهم منه، لأنّهم في عذاب مستمرّ، ولو نزل بهم الهلاك لكان ذلك راحة لهم، لكنّهم لا يملكون التّخلّص من حياتهم، ولا يملكون إماتة أنفسهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت