معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 6، ص: 421
فيقال لهم: إنّ أنواع عذابكم متعدّدة، ومتجدّدة، فلا يكفيكم أن تدعوا ثبورا واحدا، بل تحتاجون أن تدعوا ثبورا كثيرا، فمع كلّ نوع عذاب تدعون ثبورا، ومع كلّ متجدّد عذاب تدعون ثبورا.
الثّبور: كما سبق بيانه هو الهلاك، بمعنى الموت والفناء، وفي تمنّي الكافر لنفسه الهلاك قال اللّه تعالى في سورة (النبأ/ 78 مصحف/ 80 نزول) :
إِنَّا أَنْذَرْناكُمْ عَذابًا قَرِيبًا يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ ما قَدَّمَتْ يَداهُ وَيَقُولُ الْكافِرُ يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرابًا (40) .
القضية الثالثة: عرض البشارة الّتي بشّر اللّه بها المتّقين، بأن وعدهم أن تكون جنّة الخلد جزاء لهم على تقواهم، تفضّلا منه بها عليهم، وأن تكون مصيرا يصيرون في نهاية مراحلهم إليه، فهي منزلهم الطيّب الدائم الخالد، ولهم فيها ما يشاءون، وجعل اللّه من حقّهم أن يطالبوا به.
وجاء هذا العرض بأسلوب الاستفهام المطلوب توجيهه للمكذّبين بيوم الدّين، حول المقارنة والموازنة بين حال المكذبين وحال المتّقين، بدءا من حياة الابتلاء، ومآلا في حياة الجزاء، والغرض من هذا السؤال الاستفهاميّ استثارتهم للتفكير الذّاتي، والاستبصار في حقيقة الأمر، بعيدا عن العقبة النفسيّة، التي يرفض بعض النّاس بسببها التّوجيه المباشر التّعليميّ، لكّنهم لا يرفضون المشاركة في التّفكير واستخلاص الحقائق بالتأمّل، فقال اللّه عزّ وجلّ للرسول ولكلّ داع من بعده إلى سبيل اللّه:
قُلْ أَذلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ كانَتْ لَهُمْ جَزاءً وَمَصِيرًا (15) لَهُمْ فِيها ما يَشاؤُنَ خالِدِينَ كانَ عَلى رَبِّكَ وَعْدًا مَسْؤُلًا (16) .
ونلاحظ في قوله تعالى: قُلْ أَذلِكَ أنّ اللّه يوجّه الخطاب للمفرد، ويأمره بأن يخاطب المفرد، إذ لم يقل: قل: أذلكم. وفي هذا