معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 1، ص: 411
الموؤودة: المدفونة حيّة من البنات، وقد كان وأد البنات عادة عند بعض العرب، تخلّصا من الفقر، أو خوفا من حدوث الفقر في المستقبل، أو خوفا من العار عند سبيهنّ في الغزوات الجاهليّة.
وفي التعبير عن هذا الحدث الذي سوف يجري يوم الدّين إشارة إلى مشهد من مشاهد الحساب يومئذ، وهو أوّل ما يقضى فيه بين الناس.
فقد روى البخاريّ ومسلم والإمام أحمد والنسائيّ وابن ماجه، عن عبد اللّه بن مسعود، أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم قال:
"أوّل ما يقضى بين النّاس يوم القيامة في الدّماء".
وروى النسائي عن عبد اللّه بن مسعود أيضا بإسناد حسن، أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم قال:
"أوّل ما يحاسب به العبد الصّلاة، وأوّل ما يقضى بين النّاس في الدّماء".
إنّه لمّا كان قتل الموؤودة الّتي لا حول لها ولا قوّة من أقبح أنواع القتل وأشنعه، ومن أقبح أنواع ظلم الإنسان للإنسان، أبرز اللّه من مشاهد الحساب والقضاء يوم الدين مشهد المحاسبة على وأد البنات ظلما وعدوانا، وجعله أوّل ما يقضى فيه بين الناس.
ويدرك المتدبّر ذو التفكير السليم، أنّ في عرض الحساب على وأد البنات الذي هو من أقبح أنواع الظلم وصوره الشنيعة، إشارة إلى الدليل العقليّ الذي يهتدي به من يؤمن باللّه وكمال صفاته ومنها حكمته، إلى الإيمان بضرورة اليوم الآخر، لمحاسبة الناس ومجازاتهم على أعمالهم، فالحكيم العليم القدير لا يمكن أن يترك الظّالمين يظلمون الضعفاء دون أن يتابعهم بالمسؤوليّة والحساب والجزاء.