معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 6، ص: 431
وإذا قال قائل: إنّنا نجد في سورة (القلم/ 68 مصحف/ 4 نزول) قول اللّه عزّ وجلّ لرسوله.
فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلا تَكُنْ كَصاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نادى وَهُوَ مَكْظُومٌ (48) .
ونجد في سورة (المزّمّل/ 73 مصحف/ 3 نزول) قول اللّه عزّ وجلّ لرسوله:
وَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا (10) .
فلم لم تذكرهما ضمن مراحل التنزيل السابقة؟
فالجواب: أنّ هذين النّصّين مدنيّان تنزيلا، ضمّا إلى سورتين هما من أوائل التنزيل المكي. والحكمة من ذلك أنّ الرّسول إبّان نزول سورتي القلم والمزّمّل لم يكن بحاجة في شخصه إلى مثل هذا التوجيه الشّديد للصّبر، فقد كان محقّقا في ذاته هذه الصفة.
لكنّ هذه المرحلة سيصادف الدعاة إلى اللّه نظيرها في مسيرة دعوتهم، وهم بحاجة إلى توجيههم للصّبر عندها، فكان من الحكمة البيانيّة التربويّة توجيههم للصبر على ما ينالون من أذى وضرّ في دعوتهم إلى سبيل ربّهم.
واقتضى الأسلوب التربويّ أن يوجّه الأمر بالصّبر لرسول اللّه أوّل المسلمين، الذي حقّق المطلوب منه فعلا قبل توجيه الأمر له، ليفهم الدّعاة من بعده أنّهم هم المقصودون بالتوجيه، وأنّ الأمر بالصّبر عامّ شامل لكلّ داع إلى اللّه ابتداء من الرسول أوّل الدّعاة، حتى آخر داع إلى اللّه ما توالت القرون من بعده.
وليفهم المجتهدون المستنبطون للأحكام أن الأوامر والنواهي الموجّهة للرّسول هي أوامر ونواه موجّهة لكلّ تابع له من أمّته، ما لم يكن الأمر والنّهي من خصوصيّات الرّسول بالنّص.