معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 6، ص: 433
وَقالُوا ما لِهذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْواقِ.
أي: لو كان رسولا يوحي اللّه إليه لأغناه اللّه عن أكل الطعام كما يأكل الناس، ولأغناه عن المشي في الأسواق لتحصيل رزقه واكتساب معاشه كما يفعل سائر الناس.
معارج التفكر ودقائق التدبر ... ج 6 ... 433
قد جاء ردّ اللّه عزّ وجلّ على مقالتهم هذه بأسلوب توجيه الخطاب لرسوله: وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ لأمرين:
(1) الاهتمام بالبدء بمعالجة نفس الرسول التي توالت عليها طعنات الاتّهام الموجّهة من كبراء قومه لصدقه وأمانته وكمال عقله وفطنته، مع عدم استجابة اللّه لأيّ مقترح من المقترحات التي أوردوها، لإقناع عامّتهم، أو لكشف أنّ مقترحاتهم إنّما هي مطالب تعنّتيّة، وليست في الحقيقة مطالب يقصدون بها التحقّق من صدق نبوّته ورسالته.
(2) الإعراض عن مواجهة قومه بالخطاب، مع إسماعهم إيّاه عن طريق خطاب الرّسول، لإشعارهم بأنّهم متعنّتون، وأنّ مواجهتهم بالخطاب لا يغيّر شيئا من موقفهم، ولإشعارهم بأنّ المقصود معالجة نفس الرسول، وأنّ الرّسول قد تطلّعت نفسه لأن يستجيب اللّه لبعض مطالبهم، حرصا منه على إيمانهم وإنقاذهم من الكفر وعذاب اللّه، ولكنّ حكمة اللّه في سنّته الثّابتة تأبى ذلك.
فما أرسل اللّه أحدا قبل محمّد من المرسلين إلّا كان من صفاته الّتي عرفتها فيه أمّته وتناقلتها الأجيال من بعدهم، أنّه يأكل الطعام ويمشي في الأسواق كما يمشي سائر الناس طالبين وسائل معاشهم.
فالبشريّة وأكل الطّعام والمشي في الأسواق لم تكن منافية للاصطفاء بالنبوّة والرّسالة.
واللّه عزّ وجلّ قادر على أن يوحي إلى بشر أو كائن آخر من حيوان