معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 6، ص: 440
لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلائِكَةُ: أي: هلّا أنزل علينا الملائكة، فحرف"لولا"مستعمل هنا بمعنى التحضيض، مثل"هلّا".
وجاء وصف أصحاب القول هنا بأنّهم لا يرجون لقاء اللّه رغبا ولا رهبا، مناسبا لطلبهم إنزال الملائكة عليهم، وهم الّذين لا تكون رؤيتهم لهم إلّا بعد انتهاء ظروف امتحانهم في هذه الحياة الدّنيا، فحينئذ يرون الملائكة الّذين يأتونهم بما يكرهون، من مخيفات ومحزنات وصور من العذاب، وليس في شيء من ذلك خير لهم أو بشرى.
أَوْ نَرى رَبَّنا: أي: أو نرى ربّنا رؤية بصريّة فيأمرنا وينهانا مباشرة، ويكلّمنا بما يطلب منا، ويخاطبنا بالقرآن مباشرة، دون وساطة رسول من البشر، أو رسول من الملائكة.
فهم بهذين المطلبين يقترحون على ربّهم ما يريدون هم من وسيلة لتلقّي مطالب الرّبّ منهم وهم عبيده، وخلق من خلقه، لقد أسرفوا أيّما إسراف في استكبارهم وعنادهم وتعنّتهم، وعتوّهم، لذلك قال اللّه عزّ وجلّ بشأنهم:
لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا (21) :
هل يفعل النّاس مثل هذا بالنّسبة إلى ملوكهم من أهل الأرض، فيرفضون أوامر ونواهي وبلاغات الملك، حتّى يبعث لهم الخاصّة من حاشيته أهل قصره، أو يظهر لهم جميعا فيخاطبهم بها؟!
إنّ هذا لاستكبار حقيقة وعتوّ كبير.
لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ: يؤكد ربّنا أنّ الباعث لهم على طلب إنزال الملائكة عليهم، أو ظهور الرّبّ لهم حتّى يروه، إنّما هو الكبر المتعاظم في أنفسهم، والتأكيد جاء باللّام، وحرف"قد".