معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 6، ص: 441
ومعنى"اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ"عظم الكبر واشتدّ وقوي في أنفسهم، فمن المعاني الّتي تدلّ عليها صيغة"استفعل"تعاظم واشتداد وقوّة ما دلّت عليه مادّة الفعل.
إنّ فعل"كبر"يدلّ على حدوث الكبر، أمّا صيغة"استكبر"فمن معانيها الدّلالة على أنّ هذا الكبر قد تعاظم واشتدّ وقوي.
ونظيره فعل"غلظ"النّبات، إذا كبر حجمه، واكتمل قوامه، فإذا تعاظم واشتدّ وقوي قالوا:"استغلظ".
وكذلك فعل"حبّ"فلان الشيء، إذا رغب فيه، وتعلّق به، فإذا اشتدّ حبّه له وقوي حتّى آثره على غيره، قالوا:"استحبّه"أي: قوي حبّه له حتّى آثره، ومنه ما جاء في قول اللّه عزّ وجلّ بشأن ثمود قوم النبيّ صالح عليه السّلام في سورة (فصلت/ 41 مصحف/ 61 نزول) :
وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمى عَلَى الْهُدى فَأَخَذَتْهُمْ صاعِقَةُ الْعَذابِ الْهُونِ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ (17) .
أي: اشتدّ حبّهم للكفر ولوازمه، الّذي هو كالعمى، حتى آثروه بإصرار على الإيمان ولوازمه، والإيمان بما جاء به الرّسول هو الهدى.
وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا: العتوّ في اللّغة: تجاوز الحدّ، والتّجبّر، والعاتي: الجبّار المتمرّد الشّديد الدخول في الفساد، الّذي لا يقبل موعظة، وجمع العاتي: العتاة.
يقال لغة: عتا يعتو عتوّا وعتيّا، إذا جاوز الحدّ، وتجبّر وتمرّد، وعاند، وكان ذا فساد عريض.
وبعد بيان هذا الدّاء المستحكم في أنفسهم، ألا وهو داء الاستكبار، والعتوّ الكبير، الذي جعلهم يطالبون بأن يكونوا هم الأنبياء الّذين تنزّل