معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 6، ص: 443
ولقصد هذا التعميم على كلّ المجرمين جاء تكرير لفظ"يوم"في الجملة، والّذي صارت به جملة تامّة مستقلّة، وهي جملة سدّت في المعنى مسدّ ما تستكمل به جملة: يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلائِكَةَ أي: هم لا بشرى لهم يوم يرون الملائكة، إذ هم داخلون في عموم المجرمين الذين لا بشرى لهم يومئذ.
وهنا نقول: إنّ نفي البشرى لهم لا يستلزم عقلا إثبات ملاقاتهم لما يكرهون من محزنات ومؤلمات ومخيفات، فمن أين نفهم أنّ هذه ستكون لهم يوم يرون الملائكة؟
ونجيب على هذا السؤال بأنّ قول اللّه عزّ وجلّ عقب ذلك:
وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا (22) يدلّ على أنّهم يشاهدون ما يخيفهم ويثير الهلع في قلوبهم، فيطلقون عبارة الاستعاذة هذه، الّتي كان من عادتهم أن يقولوها عند المخاوف.
حِجْرًا مَحْجُورًا: أصل معنى"الحجر"في اللّغة"المنع".
يقال لغة: حجر عليه يحجر حجرا وحجرا وحجرا وحجرانا وحجرانا، إذا منعه من التصرّف.
ويقال: لا حجر عنه، أي: لا دفع ولا منع.
والعرب تقول عند الأمر تنكره: حجرا له، أي: دفعا له.
ويقال: حجر عليه القاضي يحجر حجرا، إذا منعه من التصرّف في ماله.
ويطلق لفظ"الحجر"بفتح الحاء وكسرها وضمّها بمعنى الحرام.
قال اللّيث: كان الرجل في الجاهليّة يلقى الرجل يخافه في الشّهر الحرام، فيقول: حجرا محجورا، أي: حرام محرّم عليك في هذا الشهر، فلا يبدؤه منه شرّ.