فهرس الكتاب
معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 6، ص: 462
الملائكة بالأمر الرّبّاني تنزيلا متتابعا في أفواج، خلال الغمام المنبعث من تشقّقات السماء.
لكنّ هذه المشاهدة للملائكة تكون مشاهدة غير سارّة للمجرمين، فلا بشرى لهم بها، بخلاف حال أصحاب الجنّة.
إنّ الملائكة تنزّل لتقوم بوظائفها في موقف الحساب وفصل القضاء، فرؤية المجرمين للملائكة يومئذ رؤية همّ وغمّ وحزن وخوف شديد.
فالمعنى: ويوم تشّقّق السّماء بالغمام ونزّل الملائكة تنزيلا يرى المجرمون الملائكة رؤية غير سارّة، لا بشرى لهم معها.
وقول اللّه تعالى: الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمنِ يدلّ على أنّ اللّه عزّ وجلّ يلغي قوانين التّسخير المعروفة في الحياة الدّنيا، والّتي بمقتضاها تتصرّف الأحياء بالمسخّرات، ويكون للّه وحده الملك الحقّ الّذي لا تصاحبه ظواهر ملك آخر للمخلوقات من دونه، فلا إنس ولا جنّ تستطيع أن تفعل شيئا بشيء، لأنّ تسخير الأشياء لقدراتهم الّذي كان في الحياة الدنيا يكون قد ألغي وحلّ لتنفيذ الجزاء الّجبريّ في المجرمين دور التّحرّك الجبري، أمّا الملائكة فلا يفعلون ولا يقولون إلّا ما يؤمرون به، أو يؤذن لهم به من قول صواب، ومن ذلك الشّفاعة فإنّ أحدا لا يشفع لأحد إلّا بإذن اللّه يومئذ.
ونلحظ مع ذلك أنّ الملك الذي بيده الأمر كلّه هو"رحمان"لذلك جاء في البيان اختيار اسم اللّه"الرّحمن"من أسماء اللّه الحسنى.
ويظهر أنّ اللّه عزّ وجلّ يعطي بعض ملائكته ملكا صوريّا تقوم فيه بوظائفها بحسب أمره أو إذنه، لذلك وصف ملكه تعالى بأنّه الملك الحقّ، أمّا الملك الذي يعطيه اللّه لبعض ملائكته، كرضوان خازن الجنّة، ومالك خازن النّار، فهو ملك صوريّ، وليس ملكا حقّا، نظرا إلى أنّهم لا يتحرّكون إلّا بالأمر أو بالإذن.