فهرس الكتاب

الصفحة 4003 من 8918

معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 6، ص: 464

بعد هذا انتقل النصّ إلى بيان حالة التحسّر والنّدم والأماني الّتي يكون فيها المتحدّث عنهم فيه، وجاء هذا ضمن صيغة تشمل كلّ مجرم كافر ظالم يومئذ، فيقدّم لقطة من حركات الظّالم وأقواله بعد حسابه، وفصل القضاء بشأنه، فقال اللّه عزّ وجلّ:

وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلى يَدَيْهِ يَقُولُ يا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا (27) يا وَيْلَتى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلانًا خَلِيلًا (28) لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جاءَنِي وَكانَ الشَّيْطانُ لِلْإِنْسانِ خَذُولًا (29) .

ففي هذا البيان لقطة من مشاهد أحوال الكافر الظّالم يوم الدّين، فبعد محاسبته وفصل القضاء بشأنه يعلن ندامته وتحسّره، ويتمنّى أمانيّ فات أوان تحقيقها، ولا رجعة لاستئناف رحلة الامتحان.

أمّا ندمه فقد جاء التعبير عنه بعبارة يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلى يَدَيْهِ إذ العضّ على اليدين يكون أحيانا حركة تلقائيّة في حالة النّدم والتّحسّر، فحين لا يجد الظّالم لنفسه جهة غير ذاته يطرح عليها غضبه، يتّخذ وسيلة يؤلم بها نفسه بنفسه، وأقرب ذلك مع الاحتفاظ بمظهر الوقار والثّبات العضّ على اليد، وحين يؤلمه العض على إحداهما يتركها ويعضّ على الأخرى، وهكذا على سبيل التّناوب.

فالتعبير بالعضّ على اليدين كناية عن شدّة ندمه وغضبه من نفسه، ولا يلزم من هذه الكناية أنّ التّعبير هو من قبيل المجاز لا الحقيقة، بل هو مستعمل على سبيل الحقيقة، والمعنى الآخر يفهم باللّزوم الذهني كسائر الكنايات.

وجاء البيان شاملا كلّ ظالم ليأخذ صفة القضيّة العامّة، وليدرك المتحدّث عنهم في السّياق، وهم المكذّبون بالساعة، الّذين لا يرجون لقاء اللّه، أنّهم داخلون في عموم الظّالمين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت