معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 6، ص: 478
الموقف الأول: معاداتهم له، واستعدادهم للإجهاز عليه وعلى المؤمنين به، وعلى دعوته، ولو بالقتل، أو بالإخراج من مكّة وإلجائهم إلى الهجرة.
الموقف الثاني: استهزاؤهم من حالة الضعف التي عليها الرّسول والمؤمنون، مع عدم نصرة اللّه لهم وهدايتهم إلى سبل حماية أنفسهم من اضطهاد أعدائهم لهم، أو الخلاص منهم، فضلا عن عجزهم عن مقاومتهم والانتصار عليهم.
وهذا الاستهزاء يحمل معنى أنّهم لو كانوا على حقّ من اللّه لنصرهم، ولما وجدوا أنفسهم ضالّين عن الاهتداء إلى سبل حمايتهم ونجاتهم وانتصارهم.
إنّ هذه الظاهرة تتكرّر في الناس دواما، فلا يتأخّر نصر اللّه للمؤمنين به ضمن مجاري حكمته في امتحان خلقه، إلّا اتّخذ الكافرون ذلك ذريعة للاستهزاء منهم، والتشهير بهم بأنّهم ليسوا على حقّ.
فعلى الدّعاة إلى اللّه في كلّ عصر أن يهيئوا أنفسهم لمواجة مثل هذه السّنّة الرّبّانيّة، وهذه الظّاهرة البشريّة.
التدبّر التحليلي:
قول اللّه عزّ وجلّ:
وَقالَ الرَّسُولُ يا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا (30) وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفى بِرَبِّكَ هادِيًا وَنَصِيرًا (31) .
وَقالَ الرَّسُولُ: أي: محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم.
يا رَبِّ: بحذف ياء المتكلّم، والاكتفاء بالكسرة، وهذا الحذف أحد وجوه عربيّة جائزة في المنادى المضاف إلى ياء المتكلّم.
قال النحاة: وهذا الحذف أجود الوجوه الجائزة وأكثرها ورودا في القرآن الكريم.