معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 6، ص: 481
مَهْجُورًا: اسم مفعول من"هجر الشيء"إذا تركه وتباعد عنه، ومعلوم أنّ المتباعد عن الشّيء الهاجر له لا يبحث عنه، ولا ينظر إليه، فإذا كان المهجور كتابا يتلى فإنّ الهاجر لا يخطر على باله أن يفكّر فيما جاء فيه من علم أو بيانات أو مواعظ أو أوامر ونواهي، ولو تلي عليه، والهجر ضدّ الوصل ففيه معنى التباعد والترك بعد اللّقاء والمخالطة.
فدلت عبارة: وَقالَ الرَّسُولُ يا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا (30) على أنّ الرّسول يشكو لربّه من تولّي الذين كفروا من كبراء قومه في مكّة عن متابعة التفكّر في القرآن لتدبّر وتفهّم آياته، حتى جعلوه مهجورا بعد أن استمعوا ابتداء له وعرفوا ما فيه من إعجاز، هذا ما يفيده معنى الهجر، إذ الهجر إنّما يكون بعد اللّقاء والمخالطة.
هكذا شكى الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم شكوى تتعلّق بهجر كفّار قومه للقرآن، وسكت عمّا يتعلّق بشخصه من معاداتهم له ولمن آمن به واتّبعه.
فكانت المعالجة الرّبّانيّة لهذه الشّكوى في التّعقيب القرآني بأن تجاوز البيان قضيّة اتّخاذ قومه القرآن مهجورا، واهتمّ مباشرة بما سكت عنه الرسول ممّا يتعلّق بمعاداة قومه لشخصه وللّذين آمنوا به واتّبعوه، وأخّر الحديث عن قضيّة الشكوى إلى آخر الفقرة، فقال اللّه عزّ وجلّ:
وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفى بِرَبِّكَ هادِيًا وَنَصِيرًا (31) .
[و كذلك] : نتساءل: ما هو المشار إليه؟ وما هو المشبّه به؟
لو كان المشار إليه اتّخاذ قوم الرسول القرآن مهجورا لكان المناسب أن يشار إليه باسم الإشارة الموضوع للقريب، لا للبعيد، إذن فهو شيء آخر غير المذكور في اللّفظ، فما هو؟
بالتدبّر يظهر لنا أنّ المشبّه به في وَكَذلِكَ ينبغي أن يكون من نوع المشبّه بعدها، وهو أنّ لكلّ نبيّ سبق في تاريخ البشريّة عدوّا من المجرمين.