فهرس الكتاب
معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 6، ص: 488
وَقُرْآنًا فَرَقْناهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلى مُكْثٍ وَنَزَّلْناهُ تَنْزِيلًا (106) .
فرقناه: أي: جزّأناه، وفصّلناه، وبيّنّاه، وأصل معنى الفرق الفصل بين الشيئين أو الأشياء، وتمييز بعضها عن بعض، وأوضح صور هذا الفصل والتّمييز أن ينزّل الكتاب على مراحل زمنيّة متفاصلة متباعدة.
على مكث: أي: على تمهّل، وتوقّف وانتظار، ريثما تثبت معرفة القسم المنزّل.
يقال لغة: مكث بالمكان يمكث مكثا ومكثا ومكوثا، إذا توقف وانتظر.
ونزّلناه تنزيلا: أي: ونزّلناه تنزيلا بأناة وتمهّل وتحقيق مع كلّ قسم ينزّل منه، فالتأكيد بالمفعول المطلق للإشارة إلى نوع التنزيل.
الحكمة الثالثة: ما تضمّنه قول اللّه عزّ وجلّ:
وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْناكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا (33) .
معارج التفكر ودقائق التدبر ... ج 6 ... 488
: من حكم تنزيل القرآن منجّما مفرّقا متابعة جدليّات الّذين كفروا فيما يقدّمونه من أمثلة يصطنعونها بآرائهم، ويقترحونها، ويرون أنّها هي الصّور الأفضل التي ينبغي أن يكون عليها حال الرّسول، أو حال القرآن، أو حال أحكام الشريعة والمنهاج.
فبهذه المتابعة يقدّم اللّه في النصّ اللّاحق ما يكشف به وجه الحقّ، لمن يطلب الحقّ بصدق، إذا كان ما اقترحه الكافرون من الأمور الباطلة، ويقدّم في النصّ اللّاحق ما يتضمّن تفسير وجه الحكمة للطّريقة الرّبّانيّة المختارة، إذا كان ما اقترحه الكافرون إحدى الصّور الممكنة غير المرفوضة عقلا، لكنّ الاختيار الرّبّانيّ قد كان هو الأفضل والأحسن والأحكم، فيكون تفسير ما جاء من عند اللّه في كلّ ذلك لملاءمة الأفضل والأحسن والأحكم، أحسن من تفسير ما اقترحوه.