فهرس الكتاب
معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 6، ص: 492
يلائمه هذا البيان، وهذا الموقف سكت عنه الرسول ولم يشكه لربّه لأنّه من القضايا الشخصيّة.
وعبارة: أُوْلئِكَ شَرٌّ مَكانًا وَأَضَلُّ سَبِيلًا تدلّ المتدبّر على أنّ موقفهم هذا هو موقف من يحتقر مكانة الرّسول والمؤمنين الاجتماعية، إذ لا قوّة لهم، ولا منعة ولا سلطان، ويستهين بهم لأنّهم لا يهتدون إلى سبيل ينقذهم من الاضطهاد الذي يعانون منه، ويتّخذ هذا الواقع ذريعة للتّشكيك في صدق رسالة الرّسول.
فجاءت هذه الآية فأزاحت السّتار لتكشف مكانة الذين كفروا حين يحشرون على وجوههم مسوقين إلى جهنم، لا حول لهم، ولا قوّة تنقذهم من هذه المهانة مع العذاب الأليم.
فإذا أدرك المؤمنون هذا وجدوا أنهم اليوم في عافية عظيمة، على الرّغم من كلّ الّذي يلاقون من عدوّهم من اضطهاد.
ومن مسح عن بصيرته الغشاوة من الذين كفروا وجد في هذا البيان تهديدا مخيفا من عظيم جبّار، تنخلع له قلوب الجبابرة.
فالمعنى: لا تهتمّ يا محمّد لموقف الذين كفروا منك وممّن اتّبعك اليوم، ولا تكترث لنظرات الاحتقار والاستضعاف الّتي ينظرون بها إليكم، ويرون فيها أنّ مكانكم في مكّة مكان المضطهد المستذلّ، الذي لا يقوى على الدّفاع عن نفسه، فإنّهم إذا لم يؤمنوا ولم يتّبعوك فسيحشرون يوم القيامة على وجوههم مسحوبين إلى جهنّم.
ولدى المقارنة بين ما هم عليه الآن وما سيصيرون إليه، وما أنتم عليه وما ستصيرون إليه، يظهر أنّهم شرّ مكانا وأضلّ سبيلا، لأنّهم لا يجدون سبيلا يومئذ إلى نجاتهم.
يُحْشَرُونَ عَلى وُجُوهِهِمْ إِلى جَهَنَّمَ: الحشر في اللّغة: الجمع والسّوق مع الاجتماع، أو للجمع، يقال لغة: حشر اللّه الخلق حشرا بعد