فهرس الكتاب
معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 6، ص: 509
سورة (الفرقان) تجاه الذين أصرّوا على الكفر من قومه، حرصه الشّديد على استجابتهم لدعوته، رغبة في تحوّلهم عن سبل جهنّم إلى صراط الجنّة، وإنقاذهم من سوء المصير الذي سيصيرون إليه حتما، إذا استمرّوا على ما هم عليه من كفر.
وربّما يخطر في نفس الرسول صلوات اللّه عليه أنّ رسالته إليهم تحمل أكثر من واجب تبليغهم ونصحهم وإقناعهم بالحقّ وإرشادهم والشّفقة عليهم، فربّما يتصوّر نفسه أنّه بمثابة الوكيل على قاصرين، فهو مسؤول عن حمايتهم ورعايتهم، وكفّ من يعرّض نفسه منهم للأذى أو الضرّ أو الهلاك، بكلّ ما يستطيع من قوّة، ولو بالقهر والإلزام، وهذا أمر لم يجد سبيلا إليه، فهو لذلك يحمل همّ الشّعور بالتّقصير في القيام بواجبات رسالته التّي أرسله اللّه بها.
فاقتضى البيان الرّبانيّ في هذا الدّرس الذي اشتمل على عدّة عناصر علاجيّة للرسول صلّى اللّه عليه وسلّم، ولكلّ الدّعاة إلى الإسلام من بعده، أن يكون ضمن هذه العناصر التّخفيف عن نفس الرسول بأربعة أمور:
الأمر الأول: بيان أنّه ليس مسؤولا عن تحويلهم إلى صراط اللّه، لأنّه ليس وكيلا عليهم، وإنّما هو مبلّغ معلّم ناصح مرشد، يجتهد في إقناعهم بالحقّ على مقدار الاستطاعة، ثمّ إنّهم هم المسؤولون مسؤوليّة شخصيّة عن اختيار طريق سعادتهم، والتحوّل عن سبيل شقائهم، فإن لم يفعلوا استحقّوا المؤاخذة والعقاب.
الأمر الثاني: بيان علّتهم النفسيّة الّتي تجعلهم يصدّون ابتداء عن الاستجابة لدعوة الرّسول الرشيدة، وعن الاستماع الواعي إلى القرآن، وتدبّر ما جاء فيه، حتّى كان فيهم مهجورا.
إنّ علتهم النفسيّة هي أنّهم عبيد أهوائهم، فحواسّهم مسخرة لهذه