فهرس الكتاب
معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 6، ص: 510
الأهواء، لذلك فهم منصرفون نفسيّا عن الاستماع لأيّ حديث يتضمّن إخراجهم من عبوديّتهم لأهوائهم، أمّا عقولهم وأفكارهم وكلّ قدرات الذّكاء فيهم فمشدودة بقوّة لخدمة أهوائهم، لذلك فهم منصرفون عن إدراك أيّة فكرة تخرجهم من هذه البؤرة المحيطة بهم.
الأمر الثالث: تأكيد أنّ وظيفة الرّسول في الّذين يقوم بدعوتهم إلى الإسلام وظيفة تبليغيّة بيانيّة إقناعيّة، لا وظيفة تحويليّة.
وإعلام الرسول بأنّ عليه أن يدعهم لما يختارون لأنفسهم من إيمان أو كفر، فإذا أقاموا دون الإصغاء إلى دعوته حجابا فهذا شأنهم بينهم وبين ربّهم، وليس هو مسؤولا عن رفضهم الاستجابة لدعوته، وما عليه إلّا أن يدعهم وما اختاروا لأنفسهم، ويدع الحكم بشأنهم للّه عزّ وجلّ.
الأمر الرابع: بيان أنّ الّذين كفروا إصرارا وعنادا، إذ عطّلوا أسماعهم وأبصارهم وعقولهم عن إدراك الحقّ، وعن النّظر إلى المستقبل البعيد، بسبب كونهم عبيد أهوائهم المرتبطة بزينة الحياة الدّنيا، قد نزلوا عن إنسانيّتهم الّتي خلقت في أحسن تقويم، إلى مستوى المخلوقات الّتي لا تعرف غير شهواتها من الحياة الدّنيا، ومطالب غرائزها.
إذن: فهم كالأنعام أكلا وشربا ومناما وسفادا ونحو ذلك، وليس لهم همّ إلّا اتّخاذ الوسائل لتحقيق أكبر استمتاع بمتاع الحياة الدّنيا.
هذا بالنظر إلى التّصرّفات المشهودة بالحواس الظاهرة، أمّا في الحقيقة فهم أضلّ سبيلا من الأنعام، لأنّ الأنعام تتصرّف بغرائزها على وفق الفطرة الّتي فطرها اللّه عليها، إذ لم يهبها اللّه قدرات التّفكير العليا، ولم يفتح لها نوافذ المعرفة، ولم يسخّر لها طاقات الكون الكبرى من حولها.
بخلاف الإنسان، فقد وهبه اللّه كلّ ذلك، فمن عطّل من النّاس ما