فهرس الكتاب

الصفحة 4054 من 8918

معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 6، ص: 515

(1) يخبر اللّه عزّ وجلّ أنّ الرسول محمّدا صلّى اللّه عليه وسلّم نادى ربّه نداء الشّاكي المستغيث، من أجل رسالته، لا من أجل نفسه قائلا.

يا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا.

أي: يا ربّ إنّ ملأ قومي في مكّة وأتباعهم جعلوا هذا القرآن الذي تنزّله عليّ مهجورا، لا يتفكّرون فيه، ولا يتدبّرونه، ولا يؤمنون به، ولا يتّبعون ما جاء فيه، بعد أن بلّغتهم ما أنزلت عليّ منه، وكرّرت عليهم تلاوته، وأدركوا بعض ما فيه من حقّ وخير وحكمة وإعجاز.

والهجر إنّما يكون بالتّرك والمباعدة بعد اللّقاء والمخالطة، فهو ضدّ الوصل.

وهذه الشّكوى تتضمّن السّؤال عمّا يفعل مع قومه لجعلهم يخالطون القرآن ويتدبّرون آياته، وتتضمّن الخوف من كونه قد قصّر في أمر ما، كان يجب عليه أن يفعله، حتّى لا يتّخذ قومه المعنيّون في الشّكوى القرآن مهجورا.

(2) وكتم الرّسول صلّى اللّه عليه وسلّم في نفسه أنّ من عناهم من قومه قد وقفوا منه وممّن آمن به واتّبعه موقف العداء، والاستعداد لقمع الدّعوة والدّاعي إليها، والذين آمنوا بها بالقوّة المسلّحة.

(3) فبدأ البيان القرآنيّ بمعالجة ما كتمه الرّسول ولم يفصح عنه في شكواه.

فأبان اللّه عزّ وجلّ أنّ هذه الظّاهرة هي من سنن اللّه التّكوينيّة في الاجتماع البشري، وهي إحدى اللّوازم الطّبيعيّة لجعل النّاس في الحياة الدّنيا مخيّرين، ذوي إرادات حرّة، لامتحانهم فيما يختارون من خير أو شرّ، وإحدى الّلوازم الطّبيعيّة لتسخير اللّه الأشياء للنّاس المخيّرين، حتّى يتحقّق امتحانهم على الوجه الأمثل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت