معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 6، ص: 527
الذي حذف فعله وذكرت تعديته، فصار المعنى: ألم تعلم ناظرا إلى ربّك، ودلّت القرينة على أنّ المراد النظر إلى آثار صنع ربّك.
والمراد بالاستفهام الدعوة إلى النّظر في هذه الظّاهرة من ظواهر خلق اللّه، للتّوصّل إلى العلم بأنّ اللّه هو الرّب العليم الحكيم الّذي أتقن كلّ شيء بإرادته وقدرته، وأنّه واحد لا شريك له في ربوبيّته، ويلزم من ذلك عقلا أنّه واحد في إلهيّته لا شريك له.
والدّعوة إلى النّظر الموصل إلى العلم بأسلوب الاستفهام دعوة تقوم على لفت النّظر برفق شديد، وتلطّف في العرض، وهي من الأساليب الحكيمة الّتي يحسن أن يبتعد بها الدّاعي عن أسلوب الأمر أو النّهي أو التّخضيض، إلّا إذا استدعى حال المخاطب. أو المقصود بالخطاب شيئا من ذلك.
والاستفهام كثيرا ما يخرج في أساليب البلغاء عن طلب الإفهام أو التّقرير بالمستفهم عنه إلى معان كثيرة، أوصلها علماء البلاغة إلى نحو اثنين وثلاثين معنى، ويستدلّ على المعنى المراد بالقرائن.
[كيف مدّ الظّلّ] : يأتي لفظ"كيف"اسم استفهام، وهو مبنيّ على الفتح دواما، ويأتي على وجوه من الإعراب بحسب الكلام، وقد يجرّد من معنى الاستفهام ويبقى دالّا على الكيفيّة.
والمعنى: ألم تعلم طائفة من صفات ربّك ناظرا إلى آثار صنعه البديع المشتمل على كيفيّة مدّه الظلّ.
الظلّ: هو ما يرى في المكان إذا قام حاجز بينه وبين منبع الضّوء، مع وصول مقدار من النّور غير مباشر بأشعّته يسمح بالرّؤية، ولو بغبش وعدم وضوح تامّ للمرئي.
ويكون الظلّ في الصباح بالنسبة إلى الشمس إلى جهة الغرب، فإذا تحوّل مساء إلى جهة الشرق سمّي فيئا، من"فاء"إذا رجع.