فهرس الكتاب

الصفحة 4069 من 8918

معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 6، ص: 530

ولمّا كان الظّلّ في الأرض يتبع حركة دوران الأرض حول نفسها باتّجاه الشّمس، كان من مظاهره أنّه بعد غروب الشّمس يكون الظّلّ ممتدّا شاملا، ويشتدّ قليلا قليلا، ثم يبدأ بالوضوح بعد الفجر شيئا فشيئا، فإذا أشرقت الشّمس أخذ الظّلّ مع حركة دوران الأرض ينقبض شيئا فشيئا، فيزيد الضّحّ ويقلّ الظّلّ، وعند وصول الشمس إلى وسط السّماء تماما لا يبقى في الأرض إلّا أقلّ الظّلّ، ثمّ يفيء الظّلّ إلى جهة الشّرق شيئا فشيئا، حتّى يكون عند الغروب ممتدّا شاملا.

ونلاحظ أنّ اللّه عزّ وجلّ يخاطب بالخطاب الإفراديّ كلّ ذي فكر يتفكّر وكلّ ذي بصر ينظر، من الّذين يدعوهم لمشاهدة آياته في كونه فيقول تعالى:

أَلَمْ تَرَ إِلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ: أي: كيف مدّ الظّلّ على وجه الأرض، حتّى ترى معه الأشياء دون انزعاج بأشعّة الشّمس المباشرة.

وجاء الاستغناء بعبارة: [مدّ الظلّ] عن مقابلها وهي: تقليص الظّلّ.

وَلَوْ شاءَ لَجَعَلَهُ ساكِنًا: أي: ولو شاء ربّك لجعل الظلّ ثابتا دواما غير متحرّك، ويكون ذلك بجعل نظام الأرض والشّمس على وضع آخر يبقى معه الظّلّ على الأرض دائما ساكنا لا يتحرّك.

ولكنّه سبحانه لم يشأ ذلك، لأنّ حكمته في نظام الحياة الدّنيا قد قضت ذلك، فجعلت حاجات كثيرات للنّبات والأحياء والأشياء مرتبطة بوصول أشعّة الشّمس إليها، ضمن النّظام الّذي وضعه لها.

ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا: أي: ثمّ بعد مدّ الظّلّ طوال ليل كامل تشرق الشّمس، فتدلّ على أنّ الّذي كان على الأرض من انكشاف مختلف النّسب، منذ بدء الغروب حتّى الشّروق، إنّما كان من قبل أشعّة الشّمس الّتي تنعكس أضواؤها على الأرض مرتدّة من جهات الأفق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت