فهرس الكتاب
معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 6، ص: 537
يدلّ ذوي الحسّ والفكر، على أنّ الغيث من رحمة اللّه قادم بعد هبوبها، وهذا من عناية اللّه بعباده.
بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ: أي: سابقا ومتقدّما ما ستأتي به رحمة اللّه بعباده، من غيث أو غيره، ممّا جعل اللّه عزّ وجلّ الرّياح سببا فيه، كحمل غبار اللّقاح من ذكور النباتات إلى إناثها، لإنضاج الثمار.
ومن الملاحظ أنّه يراد بإطلاق عبارة: بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وأشباهها في القرآن ما أتى سابقا، فكلّ ما بين يدي الإنسان أو الشيء، هو ما كان سابقا له فيما مضى، بالنّسبة إلى القضايا الزمنية، أمّا ما هو خلف الإنسان أو الشيء في الزمنيات فهو المستقبل وكلّ ما فيه.
وقد ورد في القرآن المجيد استعمال مثل: [مّن بين يديه ومن خلفه- بين يدى رحمته- له معقّبت مّن بين يديه ومن خلفه يحفظونه- خلت النّذر من بين يديه- يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم- نورهم يسعى بين أيديهم] .
ومن استقراء وسبر معاني هذه العبارات القرآنيّة ونظائرها، وتتبّع دلالاتها، ظهر لي أنّ ما بين يدي المتحدّث عنه، أو المتحدّث له، وأنّ ما خلفه على وجهين:
الوجه الأول: أن يكون زمانيّا.
الوجه الثاني: أن يكون مكانيّا.
(1) فإذا كان زمانيّا، فما بين يدي المخلوق المخاطب بالكلام هو الماضي، لأنّه هو المرئيّ الذي سبق أن كان مشهودا له، أو لمثله، فهو الذي بين يديه، نظرا إلى أنّ مركبة حياته في زمانه تسير به وظهره إلى مقدمتها، إذا المستقبل غيب بالنّسبة إليه، ووجهه وصدره وبصره وكلّ حواسه متوجّهة لمؤخّرتها، يرى ويدرك ما تستطيع حواسّه أن تدركه، ممّا