فهرس الكتاب
معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 6، ص: 539
ونستطيع أن ندرك أنّ هذه الحالة المقارنة أو السّابقة هي أمر التّكوين بإنزال المطر، وأمر التّكوين هذا أثر من آثار صفة رحمة اللّه عزّ وجلّ بعباده، وهذه الصّفة هي من صفات ذاته عزّ وجلّ.
فالتعبير بالرّحمة هو من إطلاق اسم السّبب على المسبّب، أو نقول:
هو من إطلاق الصّفة على بعض آثارها وما ينجم عنها، وهو أمر التكوين الّذي تتمّ به نعمة من نعم اللّه على عباده.
فما هو المظهر المادّيّ للأمر التكوينّي الّذي صدر بمقتضى صفة الرّحمة الّتي جاءت الرياح مبشّرة به، وناشرة الرّسالة الرّبّانيّة المعلمة به؟
لقد جاء الجواب في قول اللّه عزّ وجلّ:
وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً طَهُورًا (48) .
عطفت هذه الجملة بالواو للدلالة على أنّ إنزال الماء من السماء هو شيء آخر غير الذي أطلق عليه لفظ (رحمته) وهذا هو الّذي ينبّه المتدبّر على أنّ المراد (برحمته) هو أمر التّكوين الّذي يكون عقبه مباشرة المأمور، كما قال تعالى: إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (82) .
ويلاحظ أنّه جاء في النصّ التفات من ضمير الغائب في قوله تعالى:
وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ، إلى ضمير المتكلّم العظيم في قوله تعالى:
وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً طَهُورًا، والغرض، التنويع الجماليّ في الأداء البيانيّ، والمواجهة بالامتنان على العباد بإنزال الماء الطّهور الّذي هو المادّة العظمى من موادّ أرزاقهم الّتي جعل اللّه بها بقاء حياتهم، وربط بها كثيرا من منافعهم في دنياهم.
مِنَ السَّماءِ: أي: من السحاب، فالسّماء في اللّغة هي كلّ ما علا فأظلّ، وقد أثبتت المشاهدة أنّ الأمطار تنزل من السّحب، وهي تتكون في