فهرس الكتاب
معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 6، ص: 549
الأمثال، واستثارة محاور الرّغب والرّهب في النفوس، من تدبّر السّور الإحدى والأربعين التّي نزلت قبل سورة (الفرقان) ومن تتبّع ما جاء فيها، ممّا يتعلّق بذلك، لكشف كلّ خفاء، وتجليه كلّ غامض، ودفع كلّ شبهة، وبيان وجوه حكمة اللّه في كلّ ما اعترض عليه أهل الكفر، حول الرّسول، والقرآن، وحول الاصطفاء بالنّبوّة والرّسالة، وطريقة إعلام اللّه عباده عن طريق رسله من البشر.
*** قول اللّه عزّ وجلّ:
وَلَوْ شِئْنا لَبَعَثْنا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا (51) .
إذا استرجعنا ما سبق أن تدبّرناه من هذه السّورة فإنّنا نلاحظ أنّها أشتملت على معالجة طائفة من أقوال كبراء كفّار أهل مكّة وأعمالهم وتحليلها ومناقشتها، وبيان وجه الحقّ والحكمة الربّانية حول القضايا الّتي أثاروها في أقوالهم، ومن هذه الأقوال ما صرّحت به السّورة، ومنها ما لم تصرّح به. وإنّما فهمناه من مضمون المعالجة، وكذلك بعض أعمالهم جاء التّعقيب عليها دون التصريح بها، وقد فهمناها من مضمون التعقيب، مثل قول اللّه عزّ وجلّ فيها: وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفى بِرَبِّكَ هادِيًا وَنَصِيرًا (31) .
ويدلّ هنا قول اللّه عزّ وجلّ: وَلَوْ شِئْنا لَبَعَثْنا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا (51) على أنّ الذين أصرّوا على الكفر من كبراء أهل مكّة قد اعترضوا على قضية عموم رسالة الرسول محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم للعالمين جميعا، الّتي جاء بيانها في الآية الأولى من السورة، والّتي اشتملت على عناصر موضوعها:
تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيرًا (1) .
لكنّ عبارة اعتراضهم مطويّة لم تذكر في السّورة، بيد أنّ الذّهن اللّمّاح يستدلّ على الاعتراض من إيراد الجواب.