فهرس الكتاب

الصفحة 4089 من 8918

معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 6، ص: 550

وفحوى الاعتراض أنّ الّذين كفروا قالوا: ما هذه الّدعوى العريضة الواسعة التي يدّعي فيها محمّد أنّه رسول اللّه للنّاس أجمعين عربهم وعجمهم، وفيهم إمبراطوريّات الرّوم وفارس والحبشة، أما كان يكفيه أن يكون رسول الحجاز، أو رسول العرب؟!.

فقال اللّه عزّ وجلّ دون أن يذكر اعتراضهم:

وَلَوْ شِئْنا لَبَعَثْنا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا (51) .

ويدلّ هذا الجواب مقترنا بإدراك صفات اللّه الربّ العليم الحكيم على أنّ حكمة اللّه قضت أن يختم رسالاته للنّاس أجمعين برسالة خاتمة بعث بها محمّدا، ولذلك جعله رسولا نذيرا للعالمين.

إنّ إرسال رسول واحد للنّاس أجمعين أحد الاحتمالات الممكنة بالنسبة إلى إرادة اللّه وقدرته بوجّه عامّ، وهو الاحتمال الّذي اقتضته حكمته بعد أن بعث في أمم الأرض رسلا كثيرين في القرون الخوالي، ووصل المجتمع البشريّ إلى مرحلة تاريخيّة تؤهّله لجمعه على رسول واحد، وكتاب واحد، برسالة عامّة شاملة، مستوفية كلّ العناصر المطلوبة في الدّين للنّاس أجمعين.

ولو شاء اللّه أن يبعث رسلا متعدّدين في القارّات لبعث كما حصل فيما مضى، حتّى لو شاء أنّ يبعث في كلّ قرية رسولا مبلّغا دين اللّه للناس وداعيا إلى سبيل ربّه، ومبشرا ونذيرا، لفعل جلّ جلاله وعظم سلطانه.

لكنّه لم يبعث، لأنه لم يشأ، فدلّ هذا الاختيار الرّبّاني على أنّ ما لم يشأه سبحانه قد تركه لأنّ ضدّه الّذي شاءه هو الأحكم من كلّ ما سواه، والأكثر تأدية لأغراض امتحان البشر، بعد أنّ وصل النّاس إلى هذه المرحلة التّاريخيّة الّتي نمت فيها العلاقات والمواصلات، وبدأت تتقارب

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت