فهرس الكتاب
معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 6، ص: 551
بينهم المسافات، وهم جميعا من أصل واحد، أبوهم آدم، وأمّهم حوّاء، والأصل أنّ يكونوا أمّة واحدة لا أمما متفرّقة، وإنّ اختلفت لغاتهم وتباعدت مساكنهم، وقد كان بعث رسل وأنبياء متعدّدين لهم أمرا اقتضته ظروف مراحل تاريخيّة مضت.
لكنّ هذه الظروف قد اختلفت، واقتربت المجتمعات البشريّة من مرحلة تشابك عالميّ، فاقتضت الحكمة الرّبّانيّة جمعهم على رسالة واحدة، ورسول واحد، وكتاب واحد، وهذه الرّسالة لها شريعة واحدة ومنهاج واحد مراعى فيهما كمال الدين الّذي اصطفاه اللّه للنّاس أجمعين.
لقد دلّت الآية بمنطوقها ومفهومها ولوازمها الفكريّة على كلّ هذا، وتنكشف لنا هذه المفاهيم واللّوازم بالعرض التالي:
قوله اللّه تعالى: وَلَوْ شِئْنا لَبَعَثْنا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا (51) ، أي:
ما شئنا فما بعثنا.
س: لماذا لم تحدث هذه المشيئة؟.
ج: لأنّ الحكمة المقترنة بالعلم المحيط بكلّ شيء جعلت المشيئة تختار ما هو الأحكم والأصلح؟
س: ما هو الأحكم والأصلح؟.
ج: هو إرسال رسول واحد للنّاس أجمعين، خاتم للرسل، برسالة خاتمة، بعد أن وصلت البشريّة في تناميها الاجتماعي، وتناميها العددي، وتقارب المسافات بين شعوبها، إلى عتبة تشابك عالميّ.
وهذا هو الّذي تمّت به المشيئة الربّانيّة، وتمّ تنفيذه، بإرسال محمّد بن عبد اللّه نذيرا للعالمين، وأنزال عليه الفرقان.