فهرس الكتاب
معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 6، ص: 553
ففي هذه الجملة المصدّرة بالنهي تنبيه للرسول صلّى اللّه عليه وسلّم، حول ما يعتلج في صدره من رغبة في تلبية بعض مطالبهم، الأمر الذي قد ينجم عنه سؤال الرسول ربّه شيئا من ذلك، فيتعّرض لمثل ما تعرّض له نوح عليه السّلام إذ سأل ربّه بشأن ابنه الكافر الغريق، وهو ما أبانه اللّه عزّ وجلّ في سورة (هود/ 11 مصحف/ 52 نزول) بقوله:
وَنادى نُوحٌ رَبَّهُ فَقالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحاكِمِينَ (45) قالَ يا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ فَلا تَسْئَلْنِ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ (46) .
فبادر اللّه عزّ وجلّ رسوله محمّدا بالنّهي قبل حدوث شيء من المنهيّ عنه فقال له: فَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ.
هذا ما تدلّ عليه سوابق هذا النّهي في السّورة، مع ملاحظة موقف الكافرين في المرحلة الّتي وصلوا إليها إبّان نزولها، وملاحظة حالة الرّسول النّفسيّة تجاه مختلف قضايا رسالته، وموقف قومه منها، واللّه أعلم.
وباستقراء ما نزل من قرآن قبل سورة (الفرقان) نلاحظ أنّ هذا النّهي هو ثالث نهي للرسول والدّعاة إلى الإسلام معه عن طاعة الكافرين:
فالنهي الأول قد جاء في سورة (العلق) أوّل سورة القرآن نزولا:
كَلَّا لا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ (19) .
والنهي الثاني قد جاء في سورة (القلم/ 68 مصحف/ 4 نزول) :
فَلا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ (8) وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ (9) وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ (10) .