فهرس الكتاب

الصفحة 4099 من 8918

معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 6، ص: 560

أولا:

إنّ آية سورة (الفرقان) قد أثبتت للّه عزّ وجلّ الخلق والتّدبير، في ظاهرة من ظاهرات آياته في الماء، إذ تحدّثت عن الماء العذب الحلو، والماء الملح الأجاج.

إنّهما في الأرض بحران عظيمان، خلقهما اللّه عزّ وجلّ لمنافع الحياة والناس، وكلّ منهما ينبغي لتحقيق المنفعة منه حسب النظام العامّ للكون، أن يظلّ على وصفه في النسبة المزيجيّة التي جعله اللّه عليها.

ومعلوم أنّ الماء الحلو فيه عناصر مخلوطة ممزوجة، قد مرجها اللّه عزّ وجلّ، أي: خلطها وفق حكمته بنسب صالحة لحياة النّاس والنّبات، وأرسلها في الأرض، فاندفعت تؤدّي وظائفها. وأنّ الماء الملح الأجاج فيه عناصر إضافية مخلوطة وممزوجة فيه، قد مرجها اللّه عزّ وجلّ، أي:

خلطها وأرسلها في الأرض، فاندفعت تؤدّي وظائفها المقدّرة لها.

وإيجازا في التّعبير استخدم في القرآن كلمة"مرج"للدلالة على معنى"خلط"العناصر، حتى تتكوّن ماء حلوا، أو ماء ملحا أجاجا، وعلى معنى"أرسل"هذا الماء بوصفيه العذب الفرات والملح الأجاج، لما في الماء من سيولة قابلة للتّدافع المتلاحق. كأنّ مرسلا أرسله ليؤدّي وظائفه التي أرسل من أجلها.

ودلّت هذه الآية أيضا على العناية الرّبّانيّة التي حفّت هذين البحرين حتّى لا يمتزجا، فتذهب خصائص الماء العذب الفرات، التي بها حياة الحيوان والنّبات، ومصالح أخرى كثيرة للنّاس والحياة، وذلك بأنّ جعل اللّه عزّ وجلّ بين البحرين حاجزا، إذ جعل تكوين الأرض في أوضاعها صالحة لاحتواء الماء العذب الفرات في تجاويفها ومساربها، ولإجرائه في السّهول والوديان، وإخراجه من العيون، وبذلك أقام الحواجز والفواصل الّتي تفصل بين البحرين، حتّى لا ينتهي أمرهما إلى الامتزاج

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت