معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 1، ص: 46
الَّذِي خَلَقَ:* لم يذكر معمول فعل"خلق"ليعمّ كلّ مخلوق في الوجود، وإرادة العموم من أغراض حذف المعمول عند البلاغيين، وهو من الإيجاز البديع المحمود.
الخلق: يأتي بمعنى الإبداع من العدم، والإيجاد على غير مثال سبق.
ويأتي بمعنى التقدير للعناصر والأجزاء للشيء الذي يراد إحداثه، وهذا المعنى يتحقّق في أمور كثيرة، منها جعل الشيء في صورة ما على وفق المقادير المعدّة له في الخطّة، كجعل طينة لزجة على شكل طائر، ولا تكون على شكل طائر ما لم يسبق العمل أو يقترن به تحديد المقادير والأجزاء، ووضع كلّ شيء في موضعه حتّى تكتمل الصورة المقدّرة.
فاللّه عزّ وجلّ هو الخالق، ولا يعجزه شيء يريد خلقه، وكلّ ما سواه في الوجود خلقه.
والخطاب بقوله تعالى: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) موجّه أوّلا للرّسول محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم، باعتباره أوّل المخاطبين بمطالب اللّه من عباده، وبتعليماته ووصاياه وبياناته لهم.
وهو موجّه من بعده لكلّ العالمين الصالحين للخطاب التكليفيّ، الموضوعين في الحياة الدّنيا موضع الامتحان.
ودلّت نصوص أخرى على أنّ الرّسول محمّدا صلّى اللّه عليه وسلّم مستثنى من التوجيه لتعلّم صنعة القراءة والكتابة، لتبقى أمّيّته إحدى معجزات نبوّته، غير أن هذا التوجيه لا يستثنى منه أحد من بعده، إلّا العاجزون من أمّته عن تعلّم القراءة والكتابة.
فمعنى قوله تعالى: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) اقرأ أيّها الموضوع في الحياة الدّنيا موضع الابتلاء، لاكتساب المعارف والعلوم الدينيّة والدنيوية، قراءة مقترنة وملتبسة بالتفكّر في صفات ربّك الّذي خلق كلّ