فهرس الكتاب
معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 6، ص: 576
التدبر التحليلي:
وَتَوَكَّلْ: فعل أمر من:"توكّل يتوكّل توكّلا"يقال: توكّل على اللّه إذا اعتمد عليه بقلبه اعتمادا صادقا، مستسلما لما يختاره له من أمر، مع قيامه بالأسباب الكونيّة الّتي لم يحرّم اللّه اتّخاذها، دون تفريط بشيء منها، فالقيام بها هو من طاعة اللّه في تراتيب أنظمته في كونه، ومع قيامه بالأسباب التّعبّديّة الّتي أوصى اللّه بها في كتابه، أو أوصى بها الرّسول في سنّته، كالذّكر والدّعاء.
عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ: هو اللّه عزّ وجلّ، وقد اختار اللّه من أسمائه وأوصافه هنا:"الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ"للتّنبيه على أنّ من توكّل عليه فإنّه لا يخيب في حال من الأحوال، لأنّه سبحانه وتعالى باق دواما، حيّ دواما لا يموت أبدا.
ويدخل في عموم الموت المنفيّ النّوم الّذي هو شبيه بالموت، حتّى أقلّ درجاته وهي"السّنة"وقد جاء التصريح بهما في آية الكرسي من سورة (البقرة/ 2 مصحف/ 87 نزول) :
اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ ... (255) .
والحيّ الّذي لا يموت المحيط بكل شيء علما، لا بدّ أن يكون شهيدا على عباده دواما، حاضرا معهم دواما، فمن توكّل عليه مع طاعته باتّخاذ الأسباب كفاه، ولا سيما في الأمور الّتي لا يملك جلبها أو دفعها، فهو ييسّر له الأسباب الخفيّة، ويمدّه بمعونته، حتّى يقضي له بحكمته ما هو له خير بحسب علمه المحيط بكلّ شيء، جلّ جلاله وعظم سلطانه.
والتّعريف بالألف واللّام في اسم اللّه"الحيّ"للكمال، أي: الّذي له كمال الحياة، ومن له كمال الحياة فلا بدّ أن يكون ذاتيّ الحياة أزليّها