فهرس الكتاب

الصفحة 4116 من 8918

معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 6، ص: 577

وأبديّها، ولا تحتاج حياته إلى شيء يمدّها، كحاجة حيوات الكائنات المخلوقة.

فالرسل والمؤمنون باللّه يتوكّلون على اللّه الحيّ الّذي لا يموت.

أمّا المشركون وسائر الكافرين، فهم يتوكّلون على أموات غير أحياء، أو أحياء لا يستجيبون لهم بشيء، فإن كانوا جنّا زادوهم رهقا، أو يتوكّلون على أسباب غير حيّة، وهذه إنّما تعطي عطاءاتها بقضاء اللّه وقدره ضمن أنظمتها العامّة القدريّة، وهي مسخّرة لمن أحسن استخدامها من مفاتيحها، توكّل بقلبه عليها أم لم يتوكّل، فلا تزيد من توكّل عليها شيئا، لكنّ توكّله عليها يخدش إيمانه بالرّبّ الخالق.

وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ: أصل السّبح في اللّغة الحركة السّهلة الّتي يحصل بها الانتقال في الماء أو في الهواء برفق ولين، ومنه سبح السّمك في الماء، وسبح الكواكب والنّجوم في مسيراتها في أفلاكها، وكذلك حركة اللّيل والنّهار الدّائرة في فلكها سبحا، قال اللّه عزّ وجلّ في سورة (الأنبياء/ 21 مصحف/ 73 نزول) :

وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (33) .

ولمّا كانت حركة الخيول عند جريها تشبه بخفّتها على الأرض حركة السّبح في الهواء، سمّى العرب جريها سبحا، وقالوا عن الفرس الّذي يجري:"سابح"و"سبوح".

والتّسبيح للّه ذكر يتضمّن معنى تنزيه اللّه عمّا لا يليق بجلاله، مع الحركة اللّسانيّة والفكريّة التّلقائيّة الّتي تشبه حركة السّابح في الهواء أو في الماء.

وقد خلق اللّه الأشياء والأحياء وفطر ما كان مجبورا منها على أن يكون مسبّحا للّه دواما، قال اللّه عزّ وجلّ في سورة (الحشر/ 59 مصحف/ 101 نزول) :

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت