معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 6، ص: 580
وَكَفى: فعل ماض بِهِ الباء حرف جرّ زائد يزاد في فاعل كفى للتّأكيد، والضّمير العائد على اللّه هو الفاعل، وهو مرفوع محلّا على أنّه منزّل منزلة ضمير الرّفع.
بِذُنُوبِ عِبادِهِ: معمول تقدّم على عامله وهو لفظ"خبيرا"لمراعاة جمال التّعبير في الآية الّذي يستدعيه التّناظر في فواصل الآيات، مع ما في هذا التّقديم من الدّلالة على تخصيص الخبرة بأعمال العباد الّذين منحهم اللّه إرادات حرّة غير خاضعة لبرنامج جبريّ سابق ليمتحنهم في رحلة الحياة الدّنيا، ومراعاة لهذا المعنى تكرّر في القرآن وصف اللّه عزّ وجلّ بأنّه خبير في موضوع أعمال العباد الّذين منحهم اللّه إرادات حرّة تتحرّك باختيارهم، لا وفق برنامج جبريّ سابق.
خَبِيرًا: خبير على وزن"فعيل"مبالغة لاسم الفاعل من الخبرة، وهي العلم الحاصل عن تجربة.
ويظهر لنا من إيراد هذه الجملة غرضان:
الغرض الأول: تأكيد تحديد مسؤوليّة الرّسول بأنّها مسؤوليّة تبشير وإنذار، وما يسبقهما من تبليغ وتعليم وإقناع وتربية ونحو ذلك، والتّهوين على نفسه حتّى لا يهتمّ لما عليه القوم من كفر وعصيان غيرة من أجل ربّه، فالرّبّ الّذي أمر بالإيمان والطّاعة، ووعد وأوعد، وهو القدير على كلّ شيء، ولا يعجزه شيء، ولا ينقص من ملكه شيء، خبير بذنوب عباده، لا يخفى عليه منها شيء، وحين يرى الحكمة في العقاب فإنّه يعاقب.
الغرض الثاني: تهديد الكافرين بأنّ اللّه مطّلع عليهم، خبير بكلّ ما يكتسبون من ذنوب وآثام، ويلزم من خبرته بهم وهو الحكيم العدل أنّه سيجازيهم على ذنوبهم بما يستحقّون، متى حان حين الجزاء.