معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 6، ص: 588
إيمان قويّ، وحرص على الارتقاء إلى درجات التقوى العليا، فإلى درجات مرتبة البرّ، فدرجات مرتبة الإحسان، فيريد زيادة الاهتمام والعناية بالتّذكّر، وهذا الصنف تناسب حاله قراءة: يذكر ومن أهل الإيمان من تقصر همّته، فيريد أن يذكر أحيانا، وهذا الصّنف تناسب حاله قراءة:
[يذكر] وفي كلّ من الصنفين درجات.
تمهيد:
في هذا الدرس بيان موقف كبراء كفّار مكّة من صفة الرّحمة للّه عزّ وجلّ، ومن اسمه المشتقّ منها، وهو اسم اللّه الرحمن، ويتبعه اسم اللّه الرّحيم، إنّهم ينكرون ذلك، وإنكارهم له يدلّ على أنّهم ينكرون بعض عناصر ربوبيّة اللّه عزّ وجلّ، وهو ما يتّصل بعنايته بهم.
وهذا الدّرس من السورة يعالج هذه القضيّة من قضايا كفّار مكّة إبّان تنزيل سورة (الفرقان) .
إنّ كفّار مكّة يؤمنون بأنّ اللّه عزّ وجلّ خالق السّماوات والأرض وربّهما، لكنّهم ينكرون من صفاته أنّه الرّحمن.
لذلك فهم يلتمسون الرّحمة من آلهتهم الّتي اتّخذوها من دون اللّه، مع أنّها في الحقيقة لا ترحمهم، فلا تجلب لهم نفعا، ولا تدفع عنهم ضرّا. ولا يلتمسون الرّحمة من اللّه خالقهم الّذي يشملهم بفيوض عطاءاته رحمة بهم، وإذا دعوه مضطّرّين استجاب لهم ولو كانوا كافرين به.
وظلّوا مصرّين على إنكار أنّ من صفاته عزّ وجلّ صفة الرّحمة، وأنّ من أسمائه تبارك وتعالى أنّه الرّحمن الرّحيم.
وممّا يدلّ على هذا أنّ سهيل بن عمرو رسول قريش إلى النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم في صلح الحديبية الّذي كان في آخر سنة ستّ للهجرة، أنكر أن يبدأ الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم كتاب الصّلح ب"بسم اللّه الرحمن الرحيم".