معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 6، ص: 589
فبعد الاتّفاق على أن يرجع الرسول وأصحابه من عامهم ذلك، دون أن يؤدّوا عمرتهم، دعا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عليّ بن أبي طالب فقال: اكتب:
بسم اللّه الرّحمن الرّحيم.
فقال سهيل بن عمرو: لا أعرف هذا، ولكن اكتب: باسمك اللّهم.
فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: اكتب: باسمك اللّهمّ، فكتبها ...
إنّ كفّار مكّة ومثلهم كثير من كفّار العرب كانوا يؤمنون بأنّ الّذي خلق السّماوات والأرض هو اللّه، لكنّهم ينكرون من صفاته ما له تعلّق بهم من مظاهر الرّحمة، كالرّزق، والنّصر، والشّفاء والعافية، وجلب المنافع ودفع المضار. ويجعلون هذه لآلهتهم الّتي اتّخذوها من دون اللّه، فهم يعبدونها من أجل ذلك، وهذا إشراك في ربوبيّة اللّه.
*** التدبّر التحليلي:
قول اللّه تعالى:
الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمنُ فَسْئَلْ بِهِ خَبِيرًا (59) .
اسم الموصول مع صلته وما عطف عليها، مبتدأ، خبره:"الرّحمن"وقد سبق إلى أذهان كثير من أهل التأويل أنّ اسم الموصول في هذه الآية صفة ل الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ الوارد في الآية السابقة، فجعلوا الرَّحْمنُ خبرا لمبتدأ محذوف تقديره: هو الرحمن، فابتعدوا بهذا عن الغرض الّذي جاءت الآية لمعالجته، وهو إقناع المشركين بأنّ الّذي يؤمنون به خالقا للسّماوات والأرض وما بينهما هو الّذي له صفة الرّحمة الّتي يرحم بها عباده، فهو الّذي إن شاء دفع عنهم الضّرّ وجلب لهم النّفع، على خلاف زعمهم من إسناد ذلك إلى ما اتّخذوه من آلهة من دونه.