فهرس الكتاب

الصفحة 4151 من 8918

معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 6، ص: 612

قول اللّه تعالى:

وَإِذا خاطَبَهُمُ الْجاهِلُونَ قالُوا سَلامًا (63) .

خاطبهم: أي: جعل يراجع معهم الكلام، يقال لغة: خاطبه بالكلام مخاطبة وخطابا، إذا تراجعا الكلام بينهما في خطب ما، أي: في أمر ما، أو شأن ما، فالخطب هو الأمر والشّأن والحال أيّا كان، سواء أكان كبيرا أم صغيرا. فالمخاطبة مراجعة الكلام.

الجاهلون: المراد بهم هنا الّذين لا عقل لهم يمسكهم عن السّفه والغضب، وإطلاق الشّتائم والألفاظ القبيحة، الأمر الّذي قد يجرّ إلى التّقاتل، ومنه مقالة العربيّ الجاهلي:

ألا لا يجهلن أحد علينا ... فنجهل فوق جهل الجاهلينا

إنّ هذا التّعليم الجاهليّ الّذي يحضّ أفراد القبيلة أو العشيرة على مقابلة الشّتائم وقبائح الأقوال والانفعالات الغضبيّة الّتي لا يضبطها عقل إراديّ حازم، بأشدّ منها، وينذر الآخرين بأنّ أحدا منهم إذا قابلهم بسفاهة ردّوا عليه بأقبح منها، قد جاء الإسلام بإلغائه، وشرع للمسلمين تعليما آخر، ينبع من منابع الأخلاق الإيمانيّة، الّتي منها الحلم، وعدم مقابلة الجهالة بمثلها، وإعلان أنّ المجتمع الإسلاميّ مجتمع سلام، مجتمع آمن، لا مكان فيه للجاهلين وأهل الغضب، أن يثيروا الفتن الدّاخليّة، ويبذروا بزور العداوات والخصومات، ولا مكان فيه للسّفهاء الّذين يتعرّضون لكرامات المسلمين بالإهانة.

فعباد الرحمن إذا خاطبهم الجاهلون بجهالة وسفه، مستثيرين غضبهم قالوا لهم: سلاما، فيفارقون بإعلان السّلام مجلس الجاهلين.

والسّلام يشمل سلامة العرض والجسم والمال، وكلّ ما يهمّ الإنسان سلامته.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت